|
كيف تكون صادقا
سلمان بن يحي المالكي
لا يخفى على كل ذي لب كريم أن الصدق من الأخلاق الحميدة، والصفات الجميلة، وهو أصل الإيمان وأساس النجاة من عذاب الواحد الديان، وبه يتميز أهل النفاق من أهل الإيمان، وسكّان الجنان من أهل النيران، فبالصدق تُنال الحسنات، وتُرفع الدرجات، وتُحط السيئات، وهو أساس قبول القربات والطاعات، وأصل يستلزم البر وفي الحديث " عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر " [رواه البخاري ح 5743 ] ورحم الله يوسف بن أسباط يوم قال: لأن أبيت ليلة أعامل الله بالصدق أحب إلي من أن أضرب بسيفي في سبيل الله " [مدارج السالكين لابن القيم 2/290] نعم.. الصدق كالسيف إذا وضع على شيء قطعه، وإذا واجه باطلا صرعه، وإذا نطق به عاقل علت كلمته، وسمت محجته، فهو روح الأعمال، وهو من الإسلام في أعلى المنازل، كما أنه فاصل بين أهل الإيمان وأهل النفاق وفي الحديث " آية المنافق ثلاث: إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا أؤتمن خان " [ رواه البخاري ح33 ] يقول شيخ الإسلام بن تيمية - رحمه الله - تعالى - " الصدق أساس الحسنات وجماعها، والكذب أساس السيئات ونظامها " [ مجموع الفتاوى 20/74 ]. أخي الكريم: الصدق من أهمّ المطالب في هذه الحياة، لذا فهو منجاة، والطريق إليه صعب المنال، فلا يُطيقه إلا أهل العزائم، ولا يصبر عليه إلا أصحاب الهمم، يقول ابن القيم - رحمه الله - تعالى - " فحمل الصدق كحمل الجبال الرواسي، لا يطيقه إلا أصحاب العزائم، فهم يتقلبون تحته تقلب الحامل بحمله الثقيل "[ مدارج السالكين 2/267 ] ولقد ندب الله المؤمنين بالتزامه، والاتصاف به، وأن يكونوا مع الصادقين فقال جلا وعلى " يا أيها الذين أمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين "[ التوبة:119]فهو معهم - سبحانه - بمعيته يُمدّهم بنعمه وألطافه، ويزيدهم إحسانا منه وتوفيقا، بل أثنى عليهم بأحسن أعمالهم، من إيمان وصبر وأنهم أهل الصدق ومنهم ينبع الصدق فقال " ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وبن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء أولئك الذين صدقوا وألئك هم المتقون " [ البقرة:177] بل أكّد - سبحانه - أن أهل الصدق هم أهل التقوى فقال" والذي جاء بالصدق وصدّق به أولئك هم المتقون "[الزمر: 33] ورتّب - سبحانه - على ذلك الثواب الجزيل، والأجر الوفير، في يوم أحوج ما يكون العبد فيه إلى حسنة ترفع درجته وتُثقل ميزانه فقال " هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك الفوز العظيم "[ المائدة:119] أيها الأخ المبارك.. إن المتأمل في عالمنا اليوم وفي واقع مجتمعنا على وجه الخصوص، يرى حقيقة ما ينفطر له القلب كمدا، وتدمع من أجله العين حسرة وألما، نعم.. يرى ما يفجع الفؤاد، ويؤرق النفس، ويُلهب ضميرها، يرى انتشار الكذب صراحة والدجل بيانا، والخيانة وسوء الأفعال والأقوال عيانا، حتى ذاب الصدق، وتصرّمت عراه، وقلّ الصادقون، وبان الكذب وكثر الكذابون، بل المكارون الخداعون، حتى أصبح المعروف لدى كثير من الخلق منكرا، والمنكر معروفا إلى ما رحم ربي وقليل ما هم. وأخيرا.. فإننا بحاجة إلى وقفة صادقة خالصة، وقفة لمحاسبة ومراجعة أنفسنا وذواتنا، بحاجة إلى أن نربي أنفسنا ونهذّب أخلاقنا، نعم.. نحن بحاجة إلى الصدق في الأقوال، والإخلاص في الأعمال، والصفاء في الأحوال، نحن بحاجة إلى أن نقلب تلك الصفحات البيضاء لأولئك الأخيار الأئمة الأعلام، إلى أولئك الذين صدقوا في إيمانهم، صدقوا في كلامهم، صدقوا في تقواهم ومحاسبتهم لأنفسهم، صدقوا مع الله ومع خلقه في مطابقة أفعالهم لأقوالهم، وسرائرهم لعلانيتهم، لنرى حقا ما بذلوه وما احتملوه وما أحرزوه من مواقف صادقة في حياتهم العلمية والعملية..
|