مع الرعيل الأول!



سلمان بن يحي المالكي
 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

أخي رعاك الباري ما أجمل أن نقلب صوراً أشرقت بالحب والوئام، واتسمت بالصفاء والنقاء.

صفحات بيضاء حملها التاريخ إلينا ليعلن للجميع أن الأخوة والمحبة انبثقت من قلوب مخلصة حققت أسمى معاني الأخوة الصادقة.

نعم.. إنهم رعيلنا الأول، وسلفنا الصالح، فهيا إلى بعض من أخبارهم الزاخرة، لنعلن للجميع أنهم قدوتنا بعد النبي الكريم محمد - صلى الله عليه وسلم -.

1. اسمع رحمك الله إلى قول أمير المؤمنين أبي حفص عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يوم عرف قيمة الأخوة في الله فقال: "إذا رزقكم الله - عز وجل - مودة امرئ مسلم فتشبثوا بها "[أخرجه ابن أبي الدنيا ص81 ].

2. وكان ابن مسعود - رضي الله عنه - إذا خرج إلى أصحابه قال:" أنتم جلاء حزني "[أخرجه ابن أبي الدنيا ص135 ].

3. ولما أتى عمر الشام استقبله أبو عبيدة بن الجراح، وفاض إليه ألماً، فالتزمه عمر، وقبل يده، وجعلا يبكيان "[ أخرجه البيهقي، ج 7 / 101 ].

4. ولقي حكيم بن حزام عبد الله بن الزبير - رضي الله عنهما - بعد قتل الزبير - رضي الله عنه - فقال: كم ترك أخي من الدَّين؟ قال: ألفي ألف، قال: عليَّ منها ألف ألف "[ رواه البخاري، ح 2961 ].

5. ورئي على علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - ثوب كأنه يُكثر لبسه، فقيل له فيه، فقال: " هذا كسانيه خليلي وصفيي "[ أخرجه ابن أبي الدنيا ص 248 ].

6. وكان بلال بن سعد الأشعري يقول: " أخ لك كلما لقيك ذكرك بحظك من الله خير لك من أخ كلما لقيك وضع في كفك ديناراً "[ أخرجه أبو نعيم في الحلية، ج 5 / ص 17 ].

7. وهذا خليفة خليفة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يذكر الرجل من إخوانه في بعض الليل فيقول: يا طولها من ليلة، فإذا صلى المكتوبة غدا إليه، فإذا التقيا عانقه "[ رواه أحمد في مسنده 123 ]، وكان يُقبِّل رأس أبي بكر [ أخرجه ابن أبي الدنيا ص 199 ].

8. وكان المحدث القارئ طلحة بن مصرف إذا لقي مالك بن مغول يقول له: "لَلُقياك أحب إلي من العسل "[ رواه أبو نعيم في الحلية ج 5 / 17 ].

9. وقال أبو خلدة: دخلنا على ابن سيرين أنا وعبد الله بن عون فرحبَّ بنا، وقال: ما أدري كيف أتحفكم؟ كل رجل منكم في بيته خبز ولحم، ولكن سأطعمكم شيئاً لا أراه في بيوتكم، فجاء بشهدة وكان يقطع بالسكين ويطعمنا.[ أخرجه أبو نعيم في الحلية ج 4/ 269 ] " الشهدة جمع شهد، والشهد: العَسَل لـم يُعْصَرْ من شَمعه "[ لسان العرب ج 3 / 243 ].

فأين واقعنا الذي لا يخلو من المشاحنات والخلافات، والبحث عن الزلات؛ من واقع سلفنا الصالح - رضي الله عنهم -" هيا بنا نؤمن ساعة "، وهيا بنا نبك من خشية الله، فإن لم نجد بكاء تباكينا علَّ الله أن يرحمنا "، فجدير بنا أن نتأمل صورهم المشرقة في هذا الجانب، علَّ الله أن يرزقنا ما رزقهم أخي المبارك، وقديما قيل: قل لي من تصاحب؛ أقل لك من أنت!!.

ومصادقة لهذا المثل قال النبي - صلى الله عليه وسلم -:" الرجل على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل "[ رواه أبو داود، ح 4833 ].

وقد أوصى بعض الحكماء أحد أبنائه قائلاً: "يا بنى إذا أردت صحبة إنسان فاصحب من إذا خدمته صانك، وإن صحبته زانك "، ولذلك فإن اختيار الصديق مرحلة خطيرة تشبه مرحلة اختيار الزوجة من حيث إنها تشكل منعطفاً في حياة المرء له ما بعده، وما أحسن ما قاله وهب بن منبه - رحمه الله -:" استكثر من الإخوان ما استطعت، فإن استغنيت عنهم لم يضروك، وإن احتجت إليهم نفعوك "[ السير 4 / 550 ].

وإذا أردت اختيار الصديق الصالح فلك أن تنظر إلى هذه الأمور، ومن خلالها يتبن لك من تصاحب:

1.سلامة دينه من البدعة والفسق، وعدم إيثار الدنيا، وذلك أن من شروط الأخوة كما ذكرنا آنفاً قيامها على الإيمان والتقوى، ورحم الله إمام البصرة وعالمها الحسن إذْ يقول: إخواننا أحب إلينا من أهلنا، إخواننا يذكروننا بالآخرة، وأهلونا يذكروننا بالدنيا "[ الإحياء 2/191 ].

2. أن يكون خلقه حسناً، وقوله طيباً، وأن يوافق عمله قوله " فلا تصاحب إلا مؤمناً، ولا يأكل طعامك إلا تقي "[ رواه أبو داود، ح 4832 ].

3. أن يداوم النصح، ويأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، فكما قيل الأخ مرآة أخيه.

4. أن يؤثر ذلك الخليل على نفسه، ويكف أذاه، ويستعد لبذل المعروف.

5. سلامة عقله، وحسن اختياره، وسداد رأيه، وشدة تأثيره على صاحبه.

6. الجدية في الحياة، وحسن استغلاله لوقته.

7. الحذر كل الحذر من صحبة البطالين الذين ليسوا في شغل نافع من أمر دينهم و دنياهم، وإن كان ظاهرهم الصلاح، فإن هؤلاء أكثر ما يضيعون أوقاتهم وأوقات غيرهم فيما لا فائدة فيه.

8. الحذر من مصاحبة من لا يحب مصاحبتك، ولا يرعاك إلا تكلفاً أو على كره، فلا تفرض عليه أخوة خاصة، ومن الخير أن تبقى العلاقة معبر في إطار محبة الإسلام، وكفى قول الشاعر:

إذا المـــرء لا يرعــــاك إلا تكلفـــــا *** فدعه ولا تكثر عليه التأسفــــا

ففي الناس إبدال وفي الترك راحة *** وفي القلب صبر للحبيب ولو جفا

9. الابتعاد عن السفلة والجهال ومصاحبتهم؛ فهي تحط الهيبة، وتضع المنزلة، وتكل الكسل، وتزري الإنسان، ورحمك الله يا أبا العتاهية يوم قلت:

فلا تصحب أخا الجهل     وإيـــــــــــــاك وإيــــــــــــاه

فكم من جاهـل أردى     حليمـــــاً حــــين آخـــــاه

وأخيراً أخي المسلم: اعلم أن لقاء الإخوان جلاء الأحزان، وأن الناس أنواع وأصناف ودرجات، ولكل واحد منهم منزلة ومكانة خاصة، فالواجب عليك أخي الحبيب إنزال الناس منازلهم، وأن تمنح من وقتك وجهدك لكل منهم ما يليق به، ويتناسب مع مستواه، ومن جهل أقدار الرجال كان بنفسه أجهل، ولذلك كان من أعسر الأمور إدارة العلاقات الاجتماعية؛ لحاجتها إلى فهم النفسيات، وحسن التعامل معها.