بسم الله الرحمن الرحيم
شعبان 161هـ
هو الإمام العلامة، وشيخ الإسلام، والبحر الزاخر، ورباني هذه الأمة، أبو عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، أحد أئمة الإسلام وعبادهم، المولود بالكوفة سنة 97هـ، كان آية في الحفظ يضرب به المثل في ذلك، ما استودع قلبه شيئاً إلا حفظه ولم يحتج إلى مراجعته مرة أخرى، فكان أحفظ الناس للحديث النبوي في عصره، وتنقل في البلاد من البصرة إلى مكة والمدينة ثم إلى الشام ومصر، وكلما دخل بلداً اجتمع عليه طلبة العلم وأهل الحديث يسألونه ويسمعون منه، وهو بجانب روايته للحديث يعلمهم دقائق الفقه والورع، والزهد وتعظيم الله - عز وجل -.
جمع سفيان الثوري بين العلم والورع، والعبادة والزهد، وشدة الخوف من الله - عز وجل -، فكانت مجالسه كلها ربانية تملأها السكينة والتذكير بالآخرة، وكان لا يقبل عطاءً من أحد خاصة من السلطان، وكان حريصاً على ما لديه من علم، فلا يحدث سفلة الناس ولا العجم الذين لا يحسنون العربية حتى لا ينقلوا العلم خطأً، وكان شديد الزهد فلا تبلغ قيمة ثيابه سوى درهم أو درهمين، ويمكث عدة أيام لا يتناول طعاماً من شدة فقره.
كان سفيان الثوري من أشد الناس أمراً بالمعروف ونهياً عن المنكر خاصة مع السلاطين والأمراء، وله مواقف مشهورة مع الخليفة أبي جعفر المنصور وولده الخليفة المهدي، وقد اضطر للفرار عدة مرات منهما، والتنقل من بلد لآخر بسبب مطاردات المهدي له، وإصراره على تولية سفيان منصب القضاء، وسبحان الله! المنصب يلهث وراء العالم، والعالم يفر منه، عكس كثير من علماء هذا الزمان، وقد توفي سفيان الثوري - رحمه الله - في شهر شعبان سنة 161هـ بالبصرة مختفياً من المهدي العباسي، وقد أثنى عليه العلماء والأئمة في كل عصر وقطر حتى اعبروه صاحب مذهب مستقل ومن الأئمة المتبوعين، ولولا أنه كان بأرض العراق والمشرق لساد مذهبه في أي مكان آخر ظهر فيه هذا الإمام الكبير - رحمه الله -