بسم الله الرحمن الرحيم
 الصفحة الرئيسية | المقالات و البحوث | المكتبة ( للتحميل ) | الصوتيات | مركز الفتاوى | التلاوات القرآنية | أرسل بحثك | توقيع الزوار | كلمة الموقع 
اخر المقالات هل يخص علي بن أبي طالب بـ كرم الله وجهه ؟؟         كسوة الكعبة.. تاريخ وتشريف         مصطفى لطفي المنفلوطي         الله يلعن الشيطان         أبي يقول لك هو ليس هنا !!         السؤال والجواب عن جامعة الملك عبد الله الوارد في مقابلة الشيخ سعد الشثري في قناة المجد كاملة         تفسير آيات - 1         شرح نخبة الفكر - الدرس الأول         شرح الأربعين النووية - الدرس الأول         شرح عقيدة أهل السنة والجماعة لابن عثيمين -الدرس الأول         فتوى الشيخ محمد بن إبراهيم في حكم الاختلاط         هل يجوز ترك العمل اثناء الصلاه ??         هل تعتبر زوجة عمى او زوجة خالى من محارمى ؟؟         هل يجب عليها بيع الذهب من اجل زكاتة؟         أسئلة بشأن تقليم الأظافر وفق السنه المطهره .         بلوغ غاية الأماني في الرد على مفتاح التجاني         التصوف من صور الجاهلية         هل كان إسلام الصحابة والتابعين صحيحا........بدون أن يتصوفوا؟؟         بدعة رجب للمنجد         بدعة المولد .. الالباني    
المؤسس و المشرف :
      سعد بن زيد آل محمود
قائمة أخر المقالات إضافة
  اصنع من الليمون شراباً حلواً
  الدعاء قبل إتيان الزوجة
  بعض الدعوات المستجابات
  أخطاء في الدعاء وما يكره فيه
  الجار قبل الدار !!
قائمة أخر الكتب إضافة
  الشيخ عبد القادر بن أحمد بن مصطفى بن بدران الدمش...
  الحبيب الجفري .. صوفية بنكهة العصر!!
  هل خلق النبي صلى الله عليه وسلم من نور
  أولياء الصوفية عند ابن تيمية في الفرقان
  المولد النبوي ناصر الحنيني
قائمة أخر الصوتيات إضافة
  الشيطان عدوك فاحذره
  رسالة الأسرة المسلمة
  رمضان نقطة تحول
  الشيطان عدوك فاحذره
  وقفة تأمل في حال الأمة
قائمة أخر الفتاوى إضافة
  كلام الشيخ عبد الله أبا بطين في اغتراف المتوضئ وال...
  كلام الشيخ عبد الله أبا بطين في اغتراف المتوضئ وال...
  زكاة الدين قبل قبضه ودفع الزكاة للأخ أو الأخت
  حكم الكلام وقت الاستنجاء
  حكم الكلام وقت الاستنجاء
تحويل التاريخ
راسلنا
توقيع الزوار
الأيام الفاضلة

محمد بن إبراهيم السبر
أضيفت بتاريخ:   2008-03-03
التصدير إلى ورد نسخة طباعة القراء:   395
تنسيق الخط

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

تقديم سماحة الشيخ العلامة الدكتور/ عبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين - حفظه الله -

الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على أشرف المرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

وبعد، فقد قرأت هذه الصفحات التي كتبها أخونا الشيخ/ محمد بن إبراهيم السبر في فضل عشر ذي الحجة والعمل فيها، فوجدته - وفقه الله تعالى- قد أجاد وأفاد واستوفى ما يتعلق بفضل العشر وما يندب فيها من الأعمال الصالحة، فنوصي المسلمين بقراءتها ونشرها والحرص على العمل بها ليحصلوا على الأجر الكبير المرتب على العمل الصالح فيها، ونسأل الله - تعالى -أن يصلح أحوال المسلمين ويوفقهم لما يحبه ويرضاه، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.

عبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين.

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي مَنَّ على عباده بمواسم الخيرات، ليغفرَ لهم الذنوب ويجزل لهم الهبات، أحمده - سبحانه - وأشكره وفق من شاء من عباده لاغتنامها فأطاعه واتقاه، وخذل من شاء فأضاع أمره وعصاه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له أكمل لنا الدين وأتم علينا النعمة ورضي لنا الإسلام ديناً. وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسانٍ إلى يوم الدين.

أما بعد: فإنَّ من فضل الله - تعالى -ونعمه الجليلة على عباده أن هيأ لهم المواسمَ العظيمة والأيامَ الفاضلة لتكون مغنماً للطائعين، وميداناً لتنافس المتنافسين، ومن أعظم هذه المواسمِ وأجلِها ما شهد النبيُ r بأنها أفضلُ أيام الدنيا على الإطلاق ألا وهي أيامُ عشر ذي الحجة.

***

فضل أيام العشر:

عن ابن عباس - رضي الله عنهما - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((ما مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهَا أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ يَعْنِي أَيَّامَ الْعَشْرِ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّه؟! قَالَ: وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ!! إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ)).

أخرجه البخاري وأحمد وأبو داود واللفظ له والترمذي وابن ماجة.

حقاً إنها أيام مباركة أقسم الله - جل وعلا - بها، والأقسام بالشيء دليل على أهميته وجلالة قدره قال الله - تعالى -: ((وَالْفَجْرِ* وَلَيَالٍ عَشْرٍ)) (الفجر: 1-2).

قال ابنُ عباس - رضي الله عنهما - وغيرُ واحد من السلف والخلف: إنها عشرُ ذي الحجة قال ابنُ كثير وهو الصحيح.

والنبي - صلى الله عليه وسلم - إنما حث فيها على العمل الصالح لفضلها وعظيم نفعها، و لشرف الزمان بالنسبة لأهل الأمصار، وشرف المكان أيضاً وهذا خاص بحجاج بيت الله الحرام. ولأن فيها: يوم عرفة ويوم النحر، وفيها الأضحية والحج قال الحافظ في فتح الباري: والذي يظهر أن السبب في امتياز عشر ذي الحجة لمكان اجتماع أمهات العبادة فيه، وهي الصلاة والصيام والصدقة والحج ولا يتأتى ذلك في غيره " أهـ.

وسُئل شيخُ الإسلام ابنُ تيمية - رحمه الله - عن عشر ذي الحجة، والعشر الأواخر من رمضان، أيُهُما أفضلُ؟.

فأجاب: أيام عشر ذي الحجة أفضل من أيام العشر في رمضان، وليالي العشر الأواخر من رمضان أفضل من ليالي عشر ذي الحجة " أهـ.

 

لذا لاغرو ولا جرم أن يحرص السلف الصالح على اغتنامها والعمل فيها فقد كان سعيدُ بن جبير- رحمه الله - وهو الذي روى حديث ابن عباس السابق: ((إذا دخلت العشرُ اجتهدَ اجتهاداً حتى ما يكاد يُقدر عليه))[1]

أخي المسلم: إن إدراك عشر ذي الحجة نعمة عظيمة من نعم الله - تعالى -على العبد، يَقْدُرُها حقَّ قدرها الصالحون المشَمِّرون، وإن واجب المسلم استشعارُ هذه النعمة، واغتنام هذه الفرصة، وذلك بأن يخص هذا العشرَ بمزيد عناية، وأن يجاهد نفسه بالطاعة.

قال أبو عثمانَ النهديُ - رحمه الله - عن السلف: كانوا يعظمون ثلاثَ عشراتٍ: العشرَ الأخيرَ من رمضان، والعشرَ الأول من ذي الحجة، والعشرَ الأول من المحرم.

وإن من فضل الله على عباده كثرة طرق الخير، وتنوع سبل الطاعات ليدوم نشاط المسلم ويبقى ملازماً لطاعة ربه وعبادته.

 

***

من الأعمال المسنونة في أيام العشر:

معاشر المسلمين: عشر ذي الحجة التي أقسم الله بها وعظم قدرها وحث رسوله - صلى الله عليه وسلم - على العمل فيها لها وظائف وأعمال ومن تلكم الأعمال والوظائف:

 

* الصيام:

فيسنُ للمسلم أن يصومَ تسعَ ذي الحجة، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - حث على العمل الصالح فيها، والصيامُ من أفضل الأعمال الصالحة، وقد ورد ما يدل على صيامها من حديث هُنَيدَة بنِ خالدٍ عن امرأته قالت حدثتني بعضُ أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصومُ عاشوراءَ وتسعاً من ذي الحجة وثلاثةَ أيام من كل شهر... )) [2].

وكان عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - يصومها، وكذلك مجاهد وغيرهما من العلماء، وأكثر العلماء على القول بصيامها. ولذا قال النووي - رحمه الله -: صيامها مستحبٌ استحباباً شديداً أهـ.

وأما ما اشتهر عند العوام من صيام ثلاث ذي الحجة يعنون بها اليوم السابع والثامن والتاسع فهذا التخصيص لا أصل له ولا دليل عليه.

 

* التكبيرُ والتهليلُ

يَجهرُ به الرجال والمرأةُ تخفضُ به صوتها فعن ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: ((مَا مِنْ أَيَّامٍ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ وَلَا أَحَبُّ إِلَيْهِ الْعَمَل فِيهِنَّ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ الْعَشْرِ فَأَكْثِرُوا فِيهِنَّ مِنَ التَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ وَ التَّحْمِيدِ)) [3].

قال البخاري - رحمه الله -: وكان عمرُ يكبرُ في قبته بمنى فيسمعه أهلُ المسجد فيكبرونَ ويكبرُ أهلُ الأسواقِ حتى ترتج منى تكبيراً، وكان ابنُ عمرَ يكبرُ بمنى تلك الأيام وخلفَ الصلواتِ وعلى فراشه وفي فسطَاطِه ومجلسه وممشاه تلك الأيام جميعها، وقال: وكان ابنُ عمرَ وأبو هريرةَ - رضي الله عنهما - يخرجان إلى السوق في أيام العشر يكبران ويكبر الناس بتكبيرهما. أهـ كتاب العيدين.

والتكبيرُ نوعان: مطلق ومقيد فالمطلق في سائر الوقت من أول العشر إلى آخر أيام التشريق، والمقيد (أي المقيد بأدبار الصلوات) ويبدأ من فجر يوم عرفة لغير الحاج إلى أخر أيام التشريق مقيداً بأدبار الصلوات، أما الحاجُ فيبدأ من حين يرمي جمرةَ العقبة يوم العيد. وقد دل على مشروعية ذلك الإجماع، وفعلُ الصحابة - رضي الله عنهم وصيغ التكبير:

* الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر كبيراً.

* الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.

* الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر ولله الحمد.

قال في سبل السلام: وفي الشرع صفات كثيرة واستحسانات عن عدة من الأئمة، وهو يدل على التوسعة في الأمر، وإطلاق الآية يقتضي ذلك.

فحريٌ بنا نحن المسلمين أن نحيي هذه السنة التي هجرت في هذه الأيام، وتكاد تنسى حتى من أهل الصلاح والخير بخلاف ما كان عليه السلف الصالح، تكبر في المسجد وفي بيتك وفي السوق وفي طريقك، وذكر به أهلك وعود أولادك على ذلك.

 

* التقربُ إلى الله - تعالى - بذبح لأضاحي:

وهي سنه مؤكدة في أصح قولي العلماء، وتتأكدُ في حق القادر عليها ومَنْ عنده سعة من المال وليست واجبة، ولا بأس من الاقتراض إن كان قادراً على الوفاء، فينبغي للمسلم المستطيع القادر ألا يفرط فيها، لقول أَنَسٍ - رضي الله عنه -: ((ضَحَّى النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَقْرَنَيْنِ ذَبَحَهُمَا بِيَدِهِ وَسَمَّى وَكَبَّرَ وَوَضَعَ رِجْلَهُ عَلَى صِفَاحِهِمَا)) [4].

الصفحة هي جانب العنق، وقال ابنُ عمرَ - رضي الله عنه -: ((أقام النبي - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة عشرَ سنين يضحي)) [5].

وقال ابنُ القيم - رحمه الله -: ولم يكن - صلى الله عليه وسلم - يدعُ الأضحية أهـ.

فليحرص المسلم عليها لأن فيها امتثال أمر الله - جل وعلا - بذبح القربان على اسمه وحده لا شريك له، وإحياء سنة أبينا إبراهيم - عليه السلام - واقتداء بالنبي - صلى الله عليه وسلم - وفيها التوسعة على الأهل والعيال والفقراء والمساكين يوم العيد وفيها من الحكم العظيمة ما لا يحفى على ذي بصيرة.

أيها المسلمون: وهناك تنبيه مهم وهو أنه: إذا دخلَ عشرُ ذي الحجة فيحرمُ على من أرادَ أن يضحي أن يأخذَ من شعره أو أظفاره أو بشرته شيئاً حتى يضحي يوم العيد، وإذا نوى الأضحية أثناء العشر أمسك عن ذلك من حين نيته ولا إثم عليه فيما أخذ قبل النية.

وذلك لما روى مسلم في صحيحه عن أم سلمة - رضي الله عنها - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((إذا رأيتم هلال ذي الحجة وأراد أحدكم أن يضحي فليمسك عن شعره وأظفاره)) [6].

وفي رواية له: ((فلا يأخذنَّ شعراً ولا يقلمنَّ ظفراً)).

والحكمةُ في النهي: أن يبقى كاملَ الأجزاءِ ليعتق من النار، وقيل: التشبه بالمحرم قاله النووي في شرح مسلم.

 

فائدة:

هذا النهي خاصٌ بصاحب الأضحية لا المُضحى عنه من زوجةٍ وأولادٍ فلا يعمهم النهي، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يضحي عن أهل بيته ولم يُنقل عنه أنه أمرهم بالإمساك عن ذلك، وكذا من توكلَ عن شخص فإنه لا يَحرُمُ عليه الأخذ بل هو خاص بالموكِل لا الوكيل، وكذا القائم على الوصايا فإنه لا يمسك، ومن أخذَ شيئاً من أظفاره أو أبشاره أو شعره معذوراً فلا شيء عليه كالناسي، والذي به أذى في شعره أو ظفره، أما العامد فهو آثمٌ ولا كفارةَ عليه بل عليه التوبة والاستغفار.

ومن كان عند الميقات يريد الإحرام وهو سيضحي فإنه لا يأخذُ شيئاً من شعره وأظفاره، وأما عند تحلله من العمرة والحج فإنه يأخذ من شعره فقط لأنه نسك من أنساك العمرة.

 

* الإكثار من الأعمال الصالحة عموماً:

لأن العمل الصالح محبب إلى لله - تعالى -في كل زمان ومكان، ويتأكد في هذه الأيام المباركة كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((ما مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهَا أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ.. )).

وهذا يعني فضل العمل فيها، وعظيم ثوابه، فعلى المسلم أن يعمر وقته في هذه العشر بالإكثار من الطاعات: قراءة القرآن، والذكر، والدعاء، والصدقة، وبر الوالدين، وصلة الأرحام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وغير ذلك من طرق الخير وسبل الطاعة.

ومن الأعمال الصالحة الصلاة: فيستحب التبكير إلى الفرائض والمسارعة إلى الصف الأول، والإكثار من النوافل، فإنها من أفضل القربات. عن ابنِ مسعود - رضي الله عنه - قال: قلت: يا رسول الله، أي الأعمال أفضل؟ قال: ((الصلاة على وقتها " قلت: ثم أي؟ قال: بر الوالدين؟ " قلت: ثم أي؟ قال: " الجهاد في سبيل الله))[7].

وعن ثوبان- رضي الله عنه- قال سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ((عليك بكثرة السجود لله فإنك لا تسجد لله سجدة إلا رفعك الله بها درجة، وحط عنك بها خطيئة)) [8].

 

* يوم عرفة:

وهو من الأيام الفاضلة والعظيمة لأنه يوم مغفرة الذنوب والتجاوز عنها، وهو يوم عيد لأهل الموقف، ويستحب صيامه لأهل الأمصار.

وهو يوم إكمال الدين وإتمام النعمة على هذه الأمة فلا يحتاجون إلى دين غيره، ولهذا جعله الله - تعالى -خاتمة الأديان، لا يقبل من أحد ديناً سواه.

عن عمرَ - رضي الله عنه - ((أن رجلاً من اليهود قال: يا أميرَ المؤمنين آيةٌ في كتابكم تقرؤونها لو علينا معشر اليهود نزلت لا تخذنا ذلك اليوم عيداً. قال: أي آيةٍ؟ قال: ((الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً)) (المائدة: 3).

قال عمرُ: عرفنا ذلك اليوم والمكان الذي نزلت فيه على النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو قائم بعرفة يوم الجمعة)) [9].

وهذا الرجلُ الذي سأل عمر - رضي الله عنه - هو كعبُ الأحبار كما جاء في رواية الطبري وفيها أيضاً: نزلت في يوم الجمعة ويوم عرفة، وكلاهما بحمد الله لنا عيد.

وعن عائشة - رضي الله عنها - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبداً من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنوا ثم يباهي الملائكة فيقول: ما أراد هؤلاء؟ ))[10].

قال ابنُ عبدُ البر: وهذا يدلُ على أنهم مغفورٌ لهم لأنه لا يباهي بأهل الخطايا إلا بعد التوبة والغفران والله أعلم أهـ.

وفي الحديث الذي رواه أحمدُ وابنُ خزيمة بسند صحيح صححه الألباني عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((إن الله يباهي بأهل عرفات أهل السماء، فيقول لهم: انظروا إلى عبادي جاءوني شعثاً غبراً)).

فهذه الأحاديث تدلُ على فضل يوم عرفة وأنه من الأيام الفاضلة التي تجاب فيها الدعوات، وتقال العثرات، فعلى المسلم أن يحرصَ على العمل الصالح لا سيما في هذا اليوم العظيم من ذكرٍ ودعاءٍ وقراءةٍ وصلاةٍ وصدقةٍ لعله أن يحظى من الله - تعالى -بالمغفرة والعتق من النار، فقد ذكر ابنُ رجب - رحمه الله - في اللطائف: أن العتقَ من النار عام لجميع المسلمين.

وعلى المسلم أن يحرصَ على صيام يوم عرفة فقد خصه النبي - صلى الله عليه وسلم بمزيد عناية، حيث خصه من بين أيام العشر، وبين ما رُتب على صيامه من الفضل العظيم، فقد ورد عن أبي قتادةَ الأنصاري - رضي الله عنه - أنَ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - سُئلَ عن صوم يوم عرفة فقال: ((يكفر السنة الماضية والسنة القابلة))[11].

وهذا إنما يستحب لغير الحاج، وأما الحاج فلا يسن له صيام هذا اليوم، وفطره أفضل تأسياً برسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقد وقف بعرفة مفطراً.

 

فعن أم الفضل بنت الحارث - رضي الله عنها -: ((أن ناساً اختلفوا عندها يوم عرفة في رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال بعضهم: هو صائم. وقال بعضهم: ليس بصائم. فأرسلت إليه بقدح من لبن وهو واقف على بعيره بعرفة فشربه)) [12].

ولأن المفطر أقوى على الدعاء من الصائم لا سيما في شدة الحر.

وللدعاء يوم عرفة مزية على غيره، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((خيرُ الدعاءِ دعاءُ يومِ عرفة، وخيرُ ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير))[13].

قال ابنُ عبد البر: وفيه من الفقه أن دعاء يوم عرفة أفضل من غيره، وفي ذلك دليل على فضل يوم عرفة على غيره،... وفي الحديث أيضاً دليل على أن دعاء يوم عرفة مجاب في الأغلب، وفيه أيضاً أن ((أفضل الذكر لا إله إلا الله.. )) أهـ.

فليحرص المسلم المقيم على الدعاء في هذا اليوم العظيم اغتناماً لفضله ورجاء للإجابة والقبول، وليدع لنفسه ووالديه وأهله وللإسلام والمسلمين، وإذا صام هذا اليوم ودعا عند الإفطار فما أقرب الإجابة، وما أحرى القبول! فإن دعاء الصائم مستجاب، وعلى المسلم أن يكثرَ من شهادة التوحيد بإخلاص وصدق، فإنها أصل دين الإسلام الذي اختاره الله لهذه الأمة وأكمله في هذا اليوم العظيم.

 

* أداءُ الحج والعمرة:

إن من أفضل ما يعمل في هذه العشر المباركة حج بيت الله الحرام فمن وفقه الله - تعالى -لحج بيته وقام بأداء نسكه على الوجه المطلوب فله نصيب - إن شاء الله - من قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة))[14].

فدونكم عباد الله - هذه الفضائل والأعمال فاغتنموها وإياكم والتواني والكسل ولنعلم أن لله - جل وعلا - نفحات في أيامه فلنهتبل الفرصة ولنستكثر من الحسنات عل الله - جل وعلا - أن يعفو عن زلاتنا وسيئاتنا.

فبادر أخي المسلم إلى اغتنام هذه الأيام الفاضلة المباركة بالأعمال الصالحة وكثرة الاجتهاد، فإنه ليس لما بقي من عمرك ثمن، وتب إلى الله من تضيع الأوقات، وأعلم أن الحرص على العمل الصالح في هذه الأيام المباركة هو في الحقيقة مسارعةٌ إلى الخير ودليل على التقوى قال - تعالى -: ((ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ)) (الحج: 32)

قال الشاعر:

قطعت شهور العام سهواً وغفلة *** ولم تحترم فيما أتيت المحرما

فلا رجباً وافيت فيه بحقـه *** ولا صمت شهر الصوم شهراً متمماً

ولا في ليالي عشر ذي الحجة الذي*** مضى كنت قواماً ولا كنت محرماً

فهل لك أن تمحو الذنوب بعبرة *** وتبكي عليها حسرةً وتندما

وتستقبل العام الجـديد بتوبة *** لعلك أن تمحو بها ما تقدما

نسأل الله - عز وجل - أن يهيئ لنا من أمرنا رشداً، وأن يوفقنا لعمل الصالحات وأن يجعلنا من عباده المخلصين.

وبالله التوفيق.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

- إمام وخطيب جامع الأميرة موضي السديري بالعريجاء بالرياض.

[1] رواه الدارمي بإسناد حسن.

[2] رواه أحمد وأبو داود والنسائي وصححه الألباني.

[3] أخرجه أحمد والطبراني وأبوعوانة وهو حسنٌ بمجموع طرقه وشواهده

[4] متفق عليه

[5] رواه أحمد والترمذي بإسناد حسن

[6] رواه مسلم.

[7] متفق عليه

[8] رواه مسلم

[9] رواه البخاري ومسلم.

[10] رواه مسلم.

[11] رواه مسلم.

[12] رواه البخاري ومسلم.

[13] رواه مالك والترمذي وانظر الصحيحة للألباني (4/39).

[14] أخرجه البخاري و مسلم عن أبي هريرة - رضي الله عنه -.

 

 

RSS v2.0 FEED أضف الصفحة إلى MySpace! أضف الصفحة إلى iGoogle أضف الصفحة إلى My Yahoo أضف الصفحة إلى Microsoft live أضف الصفحة إلى facebook برنامج قارىء RSS Subscribe Bookmark and Share



أرسال لصديق




تعليقات القراء على المقالات : أضف تعليقك الآن

ملاحظة هامة : هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها.

الأسئلة والتعليقات المقتضبة أو تلك التى لا تتعلق بموضوع المحاضرة ستحذف تلقائيا.

لا توجد تعليقات

إلى الأعلى
التلاوت القرآنية

الدروس والمحاضرات

موسوعة الفتاوى

أحصائيات
    عدد المقالات (26753)
    عدد الكتب (4769)
    عدد الصوتيات (114456)
    عدد الفتاوى (208750)
    عدد الكتب الإلكترونية (1)
القائمة البريدية
القائمة البريدية

المعلومات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي قائلها أو كاتبها كما يحق لك الاستفادة من محتويات الموقع في الاستخدام الشخصي غير التجاري مع ذكر المصدر

هذا الموقع بدعم من أسرة  أسرة آل محمود الأشراف الحسنيين 

   أكبر موقع إسلامي يحتوي على تلاوات القرآن الكريم الخطب و المحاضرات الصوتية ، كما يحتوي على موسوعة الفتاوى متكاملة التي تجيب على كافة أسئلتكم و استفساراتكم ويضم مكتبة للكتب التراثية Midad.Me ©  2010 
     
وقت تحميل الصفحة: 6.11 ثانية  |   خريطة الموقع  |   Rss  |  كيف تستخدم هذا الموقع