بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الواحد القهار، العزيز الغفار، مصرف الأمور كما يشاء ويختار، نحمده على كل حال، ونعوذ بالله من حال هل النار، وبعد:
فقد مضت ليالٍ غرُّ بفضائلها ونفحات ربها، وأوشك باقيها على الرَّحيل، لقد قطعت بنا مرحلةً من حياتنا لن تعود، فهذا هو شهركم، وهذه هي نهايته، كم من مستقبل له لم يكمله، وكم من مؤمِّل أن يعود إليه لم يدركه، فأيام رمضان تسارع مؤذنة بالانصراف والرحيل، وما الحياة إلا أنفاسٌ معدودة، وآجال محدودة، وإن عُمرًا يُقاس بالأنفاس لسريع الانصرام.
فالأيام تُطوى، والأعمار تفنى، فَاسْتَلْفِ الزمن وغالب الهوى، وابكِ على خطيئك، واندم على تفريطك، واغتنم آخر ساعاته بالدعاء، ففي رمضان كنوز غالية، وسل الكريم فخزائنه ملأى ويداه سحَّاء الليل والنهار، واستنزِل بركة المال بالصدقة، وحصن مالك بالزكاة، وودع شهرك بكثرة الإنابة والاستغفار، وقيام لله مخلصُ في دُجى الأسحار، وافتح صفحة مشرقةً مع مولاك، وأسدل الستار عن ماضٍ نسيته وأحصاه الله عليك.
الربح والخسران
فها هو رمضان قد انفرط عقده، وتناثرت لياليه وأيامه، سوق قام ثم انفض، ربح فيه من ربح، وخسر فيه من خسر.
فيا شهر الصيام فدتك نفسي تمهل في الرحيل والانتقال فما أدري إذا ما الحول ولّى وعدت بقابل في خير حال أتلقاني مع الأحياء حيًا أو أنك تلقني في اللحد بالي فهذي سنة الدنيا دوامًا فراق بعد جمع واكتمال وقد كان رمضان عند المسلمين الأوائل حِلمًا وصيامًا ونصرًا وفتحًا وبرًا وقدرًا، فكيف أصبح الآن؟!
أصبح سهرات حتى الفجر أمام شاشات التلفاز مع الفوازير والمسلسلات والأفلام، أصبح ليله مجونًا، ونهاره
إفطارًا، يحاربون الله ويجاهرون بالمعصية.
يوشك شهر القرآن أن ينقضي ولا ندري كم واحد منا ستأكلهم الأرض بين رمضان هذا ورمضان القادم.
اللهم إن كنت تعلم أن لنا بقية من العمر فوفقنا لما فيه رضاك يا رب العالمين، وإن كنت تعلم أننا سنقضى فاجمع بيننا وبين رسولك المصطفى - صلى الله عليه وسلم -.
فلنحمد الله على بلوغ ختام الشهر الفضيل، ونسأله قبول الصيام والقيام والصدقات، لله در أقوام تركوا الدنيا فأصابوا، وسمعوا منادي الحق يدعونا فأجابوا، وقصدوا باب مولاهم فما ردوا وما خابوا، فلنبادر بالتوبة إلى الله - عز وجل - من جميع الذنوب والآثام، واعلموا أن الله- تبارك وتعالى -قد خلقنا لعبادته فقال جل من قائل:
وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون<<، وقد كان السلف - رضوان الله عليهم- يرون أن من مات عقب عمل؛ كصيام أو حج أو عمرة يرجى له أن يدخل الجنة، وكانوا مع اجتهادهم في الأعمال الصالحة يجددون التوبة والاستغفار عند الموت وفي كل وقت.
انقضى شهر المغفرة وعلينا أن نتذكر وتعتبر بمن كان معنا في مثل هذه الأيام من الأقارب والأهل والأحباب والجيران والأصدقاء، كيف جرعتهم المنية كؤوس الحمام، وأودعتهم بطون القبور، تجردوا من هذه الحياة، والتحفوا التراب، وسكنوا بعد القصور العالية القبور الواهية البنيان، فلو رأيتم تحت التراب أحوالهم لرأيتم أمورا هائلة وأعدادا من الأبدان زائلة، وعيونا على الخدود سائلة، ونحن إلى ما صاروا إليه صائرون، وعلى ما قدمنا من العمل قادمون، وإنا لله وإنا إليه راجعون.
وعيد الله لمن سخر بهذا الدين
دين الله متين وشرعه قوي قويم، تكفل الله بنصرته ونشره في الآفاق، قال الله - عز وجل -: هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله<< [الفتح: 28]. وفي هذا الشهر الكريم قاتلت الملائكة لإعزاز دين الله مع نبي الله وصحبه في أول وأعظم غزوة كانت هي الفرقان بين الحق والباطل: إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين<< [الأنفال: 9].
وإن السخرية بالدين في زمن نصرة الله له، وفي ليالي تنزيل القرآن العظيم من الخذلان المبين، ومن المحادة لرب العالمين، قال الله - سبحانه -: إن الذين يحادون الله ورسوله أولئك في الأذلين<< [المجادلة: 20].
ومن سخر بالدين؛ سخر الله منه وأذله وتوعده، قال - سبحانه -: ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله قالوا إن الله حرمهما على الكافرين (50) الذين اتخذوا دينهم لهوا ولعبا وغرتهم الحياة الدنيا فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا وما كانوا بآياتنا يجحدون<<[الأعراف: 50- 51]وفرض على كل عبد الانقياد لهذا الدين والتذلل له وتعظيم شعائره وشرعه والابتعاد عن الطعن فيه أو السخرية منه، أو الاستهزاء بأحكامه، وحرام على المسلم النظر إلى ما فيه طعن بشعائر الإسلام، قال الله - عز وجل -: وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم<< [النساء: 140]، ومن ابتلي بمثل تلك العظائم فعليه بالتوبة الصادقة والحذر من استدراج الله له، فكيد الله متين، وبطشه شديد، وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين<<[آل عمران: 133]
خطة مدبرة... وإساء متعمدة
ما زلنا نتجرع من الهجمات الصليبية التي تسلط على الإسلام والمسلمين: وما تخفي صدورهم أكبر<< [آل عمران: 118]، وحملة إعلامية عامة واسعة مخططة تعم كافة أرجاء العالم الغربي في الهجوم على الإسلام والرسول الكريم وعلى العقيدة والفقه والعبادات والمناسك... إلخ.
بما أوضح أمام أعين الجميع أن الحملة الأمريكية الغربية لم تكن موجهة ضد الإرهاب- كما زعموا- وإنما هي حملة عداء واعتداء على الإسلام عقيدة ومنهاجا.
فالعالم الإسلامي يعيش ويتجرع مرارة التصريحات الوقحة لبابا الفاتيكان والتي جاءت كبداية للإعلان عن هجمة شرسة على الإسلام والمسلمين وتخوف المسلمين من انتشار هذه الحرب الشرسة، فقد صدرت عن رئيس الحزب المسيحي الاجتماعي الألماني ورئيس وزراء ولاية بافاريا «آدموندشتويبر» والمعروف بانتقاداته الحادة للإسلام والمسلمين قبل زيارة بابا الفاتيكان الأخيرة لولاية بافاريا مثلت إهانة للمسلمين وللرسول الكريم والإسلام، وكأن هذه التصريحات قد تمت لتمهيد الأرضية أمام البابا ليدلي بتصريحاته التي قال فيها: «إن المسيحية تختلف عن الإسلام برفضها التعصب وعدم التسامح وقبولها الحريات الدينية واعترافها بالمساواة
الكاملة بين الرجل والمرأة وعدم سماحها بالزواج عن طريق الإكراه».
ثم قال: على العكس من الإسلام تعتبر المسيحية كائنا فريدا له قيمة كبيرة ويتمتع بالحق في الحرية والمساواة، واستتبع ذلك بأيام التصريحات العنصرية الصليبية التي صدرت عن البابا والتي جاءت بعد تصريحات بوش وكأن هناك اتفاقا سريا ما لشن حملة سياسية دينية عالمية وبنفس الاتهامات.
ويتكرر الأمر في مقالة نشرتها صحيفة «فرانكفورت الألمانية» يوم 16 سبتمبر للكاتب «إريجون فليج» تحت عنوان «الإسلام يريد غزو العالم»، هاجم فيها الإسلام بشدة ووصفه بالعنف وأنه دين قتال، وأنه يرى الأندلس ومنطقة البلقان، وجنوب إيطاليا والجزر اليونانية كلها باعتبارها مستعمرات إسلامية سابقة وأنها يجب أن تعود إلى حصن الإسلام، وأن هدف المسلمين غزو العالم بأسره، بل إنه وصل به الأمر إلى الدفاع بقوة عن الحروب الصليبية مؤكدا أن البابا أوربان الثاني كان حينها على حق، وأن هذه الحروب تمت إما لمساعدة المسيحيين المضطهدين، وإما لتحرير الأماكن المقدسة في فلسطين أو لحماية المسيحيين من الأطماع الإسلامية.
وبعدها بثلاثة أيام فقط في 19 سبتمبر نشرت صحيفة «لو فيجارو» الفرنسية مقالا للكاتب «روبير رديكيه» كتب فيه يقول: «إن محمدا يصور نفسه في القرآن على أنه مقاتل لا يرحم قام بالنهب وهو قاهر لليهود ومتعدد الزوجات، وأن القرآن الذي يتعلمه كل مسلم يتضمن الكراهية والعنف». اهـ.
وبعدها بأسبواع واحد اندلعت أزمة جديدة وخطيرة في ألمانيا، حيث عقدت مؤسسة للعروض الأوبرالية في برلين مؤتمرا صحفيا يوم الثلاثاء 26 سبتمبر أعلنت فيه «كرستين هارمز» إن إلغاء عروض أوبرا كان سيتم عرضها في نفس الشهر خشية أن يعتبرها المسلمون استفزازية، وذلك لتضمن العرض المسرحي مشاهدا لقطع رأس الرسول - صلى الله عليه وسلم - وسيدنا عيسى - عليه السلام -، وهو عرض يقوم على الفكر الإلحادي الذي يعتمد هنا على عبارة نيتشة الفلسفية الشهيرة «إن الله قد مات» التي أراد أن يجعلها عنوانا لفلسفته التي لا تعترف إلا بالحسيات، وكان لقرار إلغاء العرض المسرحي ردود أفعال كبيرة وحادة تجاه إلغاء العرض فقد انتقدت المستشارة الألمانية انجيل ميركل زعيمة الاتحاد المسيحي ذلك قائلة: علينا أن نتنبه وألا نتراجع أمام التخويف الذي يقف وراءه إسلاميون راديكاليون مستعدون لارتكاب أعمال عنف!!
سيناريو صهيوني أمريكي في مسار الحرب الصليبية الحرب الصليبية كانت بالأمس تدار من خلف ستار، واليوم جاء البابا «بندكيت» ليقودها بنفسه منضما بذلك إلى الآلة العسكرية الصليبية التي يقودها جورج بوش في جانبها العسكري. ومع ذكرى الرسول الدانماركية الوقحة يقوم التليفزيون الدانماركي بنشر صور للنبي محمد - صلى الله عليه وسلم - للمرة الثالثة في مسابقة دنماركية لمن يقدم أبشع صورة للرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم -، حيث صوروا النبي الكريم في شكل جمل يشرب البيرة وكذلك في شكل مجاهد سكران يحاول تفجير كوبنهاجن، في نفس الوقت الذي ينفي مسئول نشر الرسوم الكاريكاتورية التي أساءت للرسول - صلى الله عليه وسلم - عدم ندمه قائلا: «لست نادما على أي شيء ولو اقتضى الأمر المعاودة لعاودت».
ومن جهة أخرى ذكرت وكالة الأنباء الفرنسية أن المجتمع الدانماركي أضحى أشد نقدا للإسلام وأن واحدا من أربعة دانماركيين أضحى أكثر سلبية تجاه الإسلام وأن قرابة 46.6% من الدانماركيين يقرون صاحب الرسوم على موقفه انسجاما مع مبدأ حرية التعبير. ثم ها هو رئيس الوزراء الأسباني السابق (خوسيه ماريا أزنار) يطالب المسلمين اليوم بالاعتذار الرسمي عن فترة حكمهم لأسبانيا ويقول إنهم أرادوا كسر الصليب والقضاء على المسيحية!!
إن لم تستح فافعل ما شئت!! هان المسلمون على أنفسهم فهانوا على الناس فكان الوهن والضعف وتكالب الأمم على الإسلام والمسلمين من كل حدب وصوب.
هكذا بدت كلمات رئيس الوزراء الأسباني السابق خوسيه ماريا أثنار فقد أعرب رفضه التام لفكرة تحالف الحضارات» بين الغرب والعالم الإسلامي واصفا إياها بأنها فكرة غبية قائلا: «إن المشكلة ليست في حوار الغرب مع العالم الإسلامي ولكنها تكمن في أن المبادرة أصبحت في أيدي من وصفهم بالمتطرفين!! إن هذه التصريحات ومن قبلها تصريحات العنصري كبير الفاتيكان إنما تدل على أنهم صاروا يأخذون من التاريخ، ولكن أي تاريخ، وبأي منظور؛ أتراهم يقولون في أنفسهم هؤلاء هم الذين سادوا العالم في يوم من الأيام، ورأى البشر كلهم منهم العدل في أسمى معانيه والإسلام في سماحته وصفحه وعدله، حتى ركب رومي الصعاب، ومشاق الطريق من مصر حتى بلغ دار الخلافة بالمدينة المنورة يشكو ضرب العصا من ابن أمير مصر، أم تراهم يقولون هؤلاء من سادونا بأخلاقهم وحضارتهم ونفعهم للبشرية، أم تراهم قد ملأهم الغل والحقد والحسد. إن أثنار كان الحبيب المقرب من راعي الشرعية الدولية والعدل العالمي «بوش الإبن» طوال فترة حكمه لأسبانيا، لذا فقد يقول قائل من أهل التطرف، أو يتسائل أحد الخبثاء، هل تعبر تصريحات أثنار عما يدور بخلد بوش؟؟ أم ترى أن أثنار هو اللسان المطلوب حركته هناك في أروقة الأمم المتحدة ليعبر عما يجول في خاطر البيت الأبيض.
ونتساءل أيضا لماذا هذه الفترة بالذات اجتمعت تصريحات بوش عن الفاشية الإسلامية، وبابا روما عن شر الإسلام، وبأسقف استراليا حين هاجم الإسلام ثم أثنار أسبانيا؟!! هل كان توالي هذه التصريحات محض عشواء؟!
أم أننا لا زلنا لا نحسن فهم هؤلاء؟! اللهم اجعل كيدهم في نحورهم..ومزقهم كل ممزق..اللهم انصر الإسلام والمسلمين في كل مكان.. وأهلك الكفرة والمشركين أعداءك أعداء الدين.. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.