القوادح في العقيدة ووسائل السلامة منها
بسم الله الرحمن الرحيم
 الصفحة الرئيسية | المقالات و البحوث | المكتبة ( للتحميل ) | الصوتيات | التلاوات القرآنية | أرسل بحثك | توقيع الزوار | كلمة الموقع 
اخر المقالات العبادة بين الصـورة والحقيقـة         دعاء قنوت الوتر         الخطابة الدعوية ومصافحة التطلعات العلمية         الانحراف الأخلاقي وأثره في الانحسار الحضاري         أبو عبيده بن الجراح رضي الله عنه         قالوا عن .. محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم         هل إنجيل برنابا يوافق ما جاء عن عيسى في القرآن         الشرق الأوسط الجديد مسرحية هزليه تنتظر طلقة الرحمة         أحسنوا الظن بربكم وإن إشتد كربكم         وقفات مهمة: ( حول انهيار سوق الأسهم في الأسابيع الماضية )         تراث الأعلام .. من فكرة إلى نشرة         الشريط الثالث و الخمسون         امتحان القلب         - احذروا الفتن         شرح صحيح مسلم - كتاب الفضائل - 6         الشريط الثامن         تتمة باب ( وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ )         - قاعدة عرض السنة على الكتاب وأمثلتها         الـبلــد         سورة أم القرآن من البيت 112 إلى البيت 121         القواعد الفقهية         خطبة الجمعة بعنوان : مقاصد سور القرآن (006 سورة الأنعام)         الصبح المنبي عن حيثية المتنبي    
المؤسس و المشرف :
      سعد بن زيد آل محمود
قائمة أخر المقالات إضافة
  الحمد لله ... مات ابني!
  جحر العقرب ؟!
  بسمة في البداية
  الجار قبل الدار !!
  عيد الحب أم إغضاب الرب!!
قائمة أخر الكتب إضافة
  الحبيب الجفري .. صوفية بنكهة العصر!!
  ماذا يتصفح العرب
  ماذا يتصفح العرب
  أولياء الصوفية عند شيخ الإسلام ابن تيمية
  بلوغ غاية الأماني في الرد على مفتاح التجاني
قائمة أخر الصوتيات إضافة
  نصائح منهجية لطالب العلم
  أوضاع الأمة الأسباب والعلاج
  الغيبة والنميمة من كبائر الذنوب
  وصايا للمسلمين عند النوازل والمحن
  الثبات على الطاعات
تحويل التاريخ
راسلنا
توقيع الزوار
القرآن الكريم
التلاوات القرآنية
مداد قسم المقالات شجرة التصنيفات العقيدة الإسلامية القوادح في العقيدة ووسائل السلامة منها
القوادح في العقيدة ووسائل السلامة منها

عبد العزيز بن عبد الله بن باز
أضيفت بتاريخ:   2008-12-16
التصدير إلى ورد نسخة طباعة القراء:   1653
تنسيق الخط

ضع هذه المادة على جوالك باستخدام برنامج قارئ الباركود
qrcode
ما هي هذه الخدمة؟؟
 الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على عبده ورسوله وخليله، وأمينه على وحيه، نبينا وإمامنا وسيدنا محمد بن عبد الله، وعلى آله وأصحابه، ومن سلك سبيله، واهتدى بهداه إلى يوم الدين، أما بعد:

فلا ريب أن سلامة العقيدة أهم الأمور، وأعظم الفرائض، ولهذا رأيت أن يكون عنوان هذه الكلمة: "القوادح في العقيدة ووسائل السلامة منها".

 

العقيدة: هي ما يعتقده الإنسان ويدين به من خير وشر، من فساد وصلاح. والمطلوب: هو التمسك بالعقيدة الصحيحة، وما يجب على العبد في ذلك؛ لأن في هذا العالم عقائد كثيرة، كلها فاسدة إلا العقيدة التي جاء بها كتاب الله، وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وهي العقيدة الإسلامية الصافية النقية من شوائب الشرك والبدع والمعاصي، هذه هي العقيدة التي جاء بها كتاب الله، ودلت عليها سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهي الإسلام.

 

قال الله - تعالى -: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ}[1]، وقال - عز وجل -: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِينًا}[2]. فالإسلام هو دين الله لا يقبل من أحد سواه، قال الله - عز وجل -: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ}[3]، وهو دين الأنبياء كلهم.

 

فهو دين آدم أبينا - عليه الصلاة والسلام -، وهو دين الأنبياء بعده نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، وداود، وسليمان، وإسحاق، ويعقوب، ويوسف، ودين غيرهم من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وهو دين نبينا محمد - عليه الصلاة والسلام - الذي بعثه الله به للناس عامة، قال النبي - عليه الصلاة والسلام -: ((الأنبياء إخوة لعلات، أمهاتهم شتى ودينهم واحد))[4]، وفي لفظ: ((أولاد علّات)) والمعنى: أن دين الأنبياء واحد وهو توحيد الله، والإيمان بأنه رب العالمين، وأنه الخلاق العليم، وأنه المستحق للعبادة دون كل ما سواه، والإيمان بالآخرة والبعث والنشور، والجنة والنار والميزان، وغير هذا من أمور الآخرة، أما الشرائع فهي مختلفة، وهذا معنى "أولاد علّات" أولاد لضرّات، كنى بهذا عن الشرائع، كما قال - سبحانه -: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا}[5]. إخوة الأب: أبوهم واحد وأمهاتهم متفرقات، هكذا الأنبياء دينهم واحد وهو توحيد الله والإخلاص له.

 

وهو معنى "لا إله إلا الله"، وهو إفراد الله بالعبادة، والإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، وباليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره، وما يتفرع بعد ذلك من البعث والنشور، والجنة والنار، والميزان والحساب والصراط، وغير هذا.

 

هكذا الأنبياء دينهم واحد، كلهم جاءوا بهذا الأمر - عليهم الصلاة والسلام - ولكن الشرائع تفرقت، بمثابة الأولاد لأمهات العلات، فشريعة التوراة فيها ما ليس في شريعة الإنجيل، وفي الشرائع التي قبلها أشياء ليست فيها، وفي شريعة نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - أشياء غير ما في التوراة والإنجيل، فقد يسر الله على هذه الأمة وخفف عنها الكثير، كما قال - جل وعلا -: {وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ}[6]، وقال - عليه الصلاة والسلام -: ((بعثت بالحنيفية السمحة))، فالله بعثه بشريعة سمحة ليس فيها آصار، وليس فيها أغلال، وليس فيها حرج، كما قال - سبحانه -: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ}[7]، كان أتباع الشرائع الماضية قبل شريعة نبينا - صلى الله عليه وسلم - لا يتيممون عند فقد الماء، بل يؤخرون الصلوات ويجمعونها حتى يجدوا الماء، ثم يتوضئون ويصلون، وجاء في هذه الشريعة المحمدية التيمم، فمن عدم الماء أو عجز عنه تيمم بالتراب وصلى، وجاء في ذلك أنواع كثيرة من التيسير والتسهيل.

 

وكان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعث النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - إلى الناس عامة، إلى الجن والإنس، والعرب والعجم، وجعله الله خاتم الأنبياء. وكان من قبلنا لا يصلون إلا في بيعهم ومساجدهم ومحلات صلاتهم، أما في هذه الشريعة المحمدية فإنك تصلي حيث كنت، في أي أرض الله حضرت الصلاة صليت، في أي أرض الله من الصحاري والقفار، كما قال - عليه الصلاة والسلام -: ((وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً))[8].

 

فالشريعة الإسلامية التي جاء بها نبينا - صلى الله عليه وسلم - شريعة واسعة ميسرة ليس فيها حرج ولا أغلال، ومن ذلك المريض لا يلزمه الصوم، بل له أن يفطر ويقضي، والمسافر يقصر الصلاة الرباعية، ويفطر في رمضان، ويقضي الصوم، كما قال الله - عز وجل -: {وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ}[9]، والمصلي إن عجز عن القيام صلى قاعداً، وإن عجز عن القعود صلى على جنبه، وإن عجز عن الصلاة على جنبه صلى مستلقياً، كما صحت بذلك السنة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

وإذا لم يجد من الأكل ما يسد رمقه من الحلال جاز له أن يأكل من الميتة ونحوها ما يسد رمقه حتى لا يموت.

 

فالعقيدة الإسلامية هي توحيد الله والإخلاص له - سبحانه -، والإيمان به، وبرسله، وبكتبه، وبملائكته، وباليوم الآخر من البعث والنشور، ومن الجنة والنار وغير ذلك من أمور الآخرة، والإيمان بالقدر خيره وشره، وأنه - سبحانه - قدر الأشياء، وعلمها وأحاط بها، وكتبها عنده - سبحانه وتعالى -. ومن أركان الإسلام الصلاة، والزكاة، والصيام، والحج. ومن واجباته وفرائضه الجهاد في سبيل الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبر الوالدين، وصلة الأرحام، وصدق الحديث، وأداء الأمانة، إلى غير ذلك.

 

فالإسلام: هو الاستسلام لله، والانقياد له - سبحانه - بتوحيده، والإخلاص له والتمسك بطاعته وطاعة رسوله - عليه الصلاة والسلام -، ولهذا سمي إسلاماً؛ لأن المسلم يسلم أمره لله، ويوحده - سبحانه -، ويعبده وحده دون ما سواه، وينقاد لأوامره ويدع نواهيه، ويقف عند حدوده، هكذا الإسلام.

 

وله أركان خمسة وهي: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلاً.

 

والشهادتان معناهما: توحيد الله والإخلاص له، والإيمان بأن محمداً رسوله - عليه الصلاة والسلام - إلى جميع الثقلين الجن والإنس، وهاتان الشهادتان هما أصل الدين، وهما أساس الملة، فلا معبود بحق إلا الله وحده، وهذا هو معنى لا إله إلا الله، كما قال - عز وجل -: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ}[10].

 

وأما شهادة أن محمداً رسول الله فمعناها أن تشهد عن يقين وعلم أن محمد بن عبد الله بن عبد المطلب الهاشمي المكي ثم المدني هو رسول الله حقاً، وهو أشرف عباد الله، وقرابته وأسرته هم أفضل العرب على الإطلاق، فهو خيار من خيار من خيار - عليه الصلاة والسلام -، وهو أشرف الخلق وسيد ولد آدم - صلى الله عليه وسلم - وعلى آله وأصحابه.

 

فعليك أن تؤمن بأن الله بعثه للناس عامة إلى الجن والإنس، إلى الذكور والإناث، إلى العرب والعجم، إلى الأغنياء والفقراء، إلى الحاضرة والبادية، هو رسول الله إلى الجميع، من اتبعه فله الجنة، ومن خالف أمره فله النار، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى، قيل: يا رسول الله ومن يأبى؟ قال: من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى)) خرجه البخاري في صحيحه[11].

 

فهذه العقيدة الإسلامية العظيمة مضمونها توحيد الله، والإخلاص له، والإيمان برسوله محمد - صلى الله عليه وسلم - وأنه رسوله حقاً، والإيمان بجميع المرسلين، مع الإيمان بوجوب الصلاة والزكاة والصيام والحج، والإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، والإيمان بكل ما أخبر الله به ورسوله، هذه هي العقيدة الإسلامية المحمدية، وقد وقع من بعض الناس قوادح فيها، ونواقض تنقضها يجب أن نبينها في هذه الكلمة.

 

والقوادح قسمان:

قسم ينقض هذه العقيدة ويبطلها، فيكون صاحبه كافراً نعوذ بالله. وقسم ينقص هذه العقيدة ويضعفها.

فالأول: يسمى ناقضاً، وهو الذي يبطلها ويفسدها، ويكون صاحبه كافراً مرتداً عن الإسلام، وهذا النوع هو القوادح المكفرة، وهي نواقض الإسلام، وهي الموجبة للردة، هذه تسمى نواقض.

والناقض يكون قولاً، ويكون عملاً، ويكون اعتقاداً، ويكون شكاً، فقد يرتد الإنسان بقول يقوله أو بعمل يعمله، أو باعتقاد يعتقده، أو بشك يطرأ عليه، هذه الأمور الأربعة كلها يأتي منها الناقض الذي يقدح في العقيدة ويبطلها، وقد ذكرها أهل العلم في كتبهم وسموا بابها: "باب حكم المرتد".

فكل مذهب من مذاهب العلماء، وكل فقيه من الفقهاء ألف كتباً في الغالب عندما يذكر الحدود يذكر "باب حكم المرتد"، وهو الذي يكفر بعد الإسلام، ويسمى هذا مرتداً، يعني أنه رجع عن دين الله وارتد عنه، قال فيه النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((من بدل دينه فاقتلوه)) خرجه البخاري في الصحيح[12].

 

وفي الصحيحين[13]: ((أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعث أبا موسى الأشعري إلى اليمن ثم أتبعه معاذ بن جبل - رضي الله عنهما - فلما قدم عليه قال: أنزل وألقي له وسادة، وإذا رجل عنده موثق قال: ما هذا؟ قال: هذا كان يهودياً فأسلم، ثم راجع دينه - دين السوء - فتهود، فقال معاذ: لا أنزل حتى يقتل قضاء الله ورسوله، فقال: انزل، قال: لا أنزل حتى يقتل قضاء الله ورسوله ثلاث مرات، فأمر به أبو موسى - رضي الله عنه - فقتل))، فدل ذلك على أن المرتد عن الإسلام يقتل إذا لم يتب، يستتاب فإن تاب ورجع فالحمد لله، وإن لم يرجع وأصر على كفره وضلاله يقتل، ويعجل به إلى النار؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: ((من بدل دينه فاقتلوه))[14].

 

فالنواقض التي تنقض الإسلام كثيرة منها:

الردة بالقول:

مثل سب الله، هذا قول ينقض الدين، وهكذا سب الرسول - صلى الله عليه وسلم -، يعني اللعن والسب لله ولرسوله، أو للعيب والتنقص، مثل أن يقول: إن الله ظالم، إن الله بخيل، إن الله فقير، إن الله - جل وعلا - لا يعلم بعض الأمور، أو لا يقدر على بعض الأمور، كل هذه الأقوال وأشباهها سب وردة عن الإسلام.

 

فمن انتقص الله أو سبه أو عابه بشيء فهو كافر مرتد عن الإسلام - نعوذ بالله من ذلك - وهذه ردة قولية، إذا سب الله أو استهزأ به أو تنقصه أو وصفه بأمر لا يليق، كما تقول اليهود إن الله بخيل، إن الله فقير ونحن أغنياء، وهكذا لو قال إن الله لا يعلم بعض الأمور، أو لا يقدر على بعض الأمور، أو نفى صفات الله ولم يؤمن بها، فهذا يكون مرتداً بأقواله السيئة.

 

أو قال مثلاً: إن الله لم يوجب علينا الصلاة فهذه ردة عن الإسلام، فمن قال: إن الله لم يوجب الصلاة فقد ارتد عن الإسلام بإجماع المسلمين، إلا إذا كان جاهلاً بعيداً عن المسلمين لا يعرف فيعلم، فإن أصر كفر، وأما إذا كان بين المسلمين، ويعرف أمور الدين، ثم قال: ليست الصلاة بواجبة فهذه ردة، يستتاب منها فإن تاب وإلا قتل.

 

أو قال: الزكاة غير واجبة على الناس، أو قال: صوم رمضان غير واجب على الناس، أو الحج مع الاستطاعة غير واجب على الناس، من قال هذه المقالات كفر إجماعاً، ويستتاب فإن تاب وإلا قتل نعوذ بالله من ذلك، وهذه الأمور ردة قولية.

 

ومنها الردة بالفعل:

والردة الفعلية مثل ترك الصلاة، فكونه لا يصلي وإن قال: إنها واجبة، لكن لا يصلي هذه ردة على الأصح من أقوال العلماء؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر)) رواه الإمام أحمد، والترمذي والنسائي وابن ماجه بإسناد صحيح[15]، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: ((بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة)) أخرجه مسلم في صحيحه[16].

 

وقال عبد الله بن شقيق العقيلي التابعي المتفق على جلالة قدره - رحمه الله -: (كان أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - لا يرون شيئاً من الأعمال تركه كفر غير الصلاة) رواه الترمذي[17] وإسناده صحيح. وهذه ردة فعلية، وهي ترك الصلاة عمداً.

 

ومن ذلك لو استهان بالمصحف الشريف وقعد عليه مستهيناً به، أو لطخه بالنجاسة عمداً، أو وطأه بقدمه يستهين به، فإنه يرتد بذلك عن الإسلام.

 

ومن الردة الفعلية كونه يطوف بالقبور يتقرب لأهلها بذلك، أو يصلي لهم أو للجن، وهذه ردة فعلية، أما دعاؤه لهم والاستعانة بهم والنذر لهم فردة قولية.

 

أما من طاف بالقبور يقصد بذلك عبادة الله، فهو بدعة قادحة في الدين، ووسيلة من وسائل الشرك، ولا يكون ردة، إنما يكون بدعة قادحة في الدين إذا لم يقصد التقرب إليهم بذلك، وإنما فعل ذلك تقرباً إلى الله - سبحانه - جهلاً منه.

 

ومن الكفر الفعلي كونه يذبح لغير الله، ويتقرب لغيره - سبحانه - بالذبائح، يذبح البعير أو الشاة أو الدجاجة أو البقرة لأصحاب القبور تقرباً إليهم يعبدهم بها، أو للجن يعبدهم بها، أو للكواكب يتقرب إليها بذلك، وهذا مما أهل به لغير الله، فيكون ميتة، ويكون كفراً أكبر، نسأل الله العافية من ذلك، هذه كلها من أنواع الردة والنواقض عن الإسلام الفعلية.

 

ومنها: الردة بالاعتقاد:

ومن أنواع الردة العقدية التي يعتقدها بقلبه وإن لم يتكلم بها ولم يفعل، بل بقلبه يعتقد، إذا اعتقد بقلبه أن الله - جل وعلا - فقير، أو أنه بخيل، أو أنه ظالم، ولو أنه ما تكلم، ولو لم يفعل شيئاً، هذا كفر بمجرد هذه العقيدة بإجماع المسلمين. أو اعتقد بقلبه أنه لا يوجد بعث ولا نشور، وأن كل ما جاء في هذا ليس له حقيقة، أو اعتقد بقلبه أنه لا يوجد جنة أو نار، ولا حياة أخرى، إذا اعتقد ذلك بقلبه ولو لم يتكلم بشيء، هذا كفر وردة عن الإسلام نعوذ بالله من ذلك وتكون أعماله باطلة، ويكون مصيره إلى النار بسبب هذه العقيدة.

 

وهكذا لو اعتقد بقلبه ولو لم يتكلم أن محمداً - صلى الله عليه وسلم - ليس بصادق، أو أنه ليس بخاتم الأنبياء وأن بعده أنبياء، أو اعتقد أن مسيلمة الكذاب نبي صادق، فإنه يكون كافراً بهذه العقيدة.

 

أو اعتقد بقلبه أن نوحاً أو موسى أو عيسى أو غيرهم من الأنبياء - عليهم السلام - أنهم كاذبون أو أحداً منهم هذا ردة عن الإسلام، أو اعتقد أنه لا بأس أن يدعي مع الله غيره كالأنبياء أو غيرهم من الناس، أو الشمس والكواكب أو غيرها، إذا اعتقد بقلبه ذلك صار مرتداً عن الإسلام؛ لأن الله - تعالى -يقول: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ}[18]، وقال - سبحانه -: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ}[19]، وقال: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}[20]، وقال: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ}[21]، وقال: {فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ}[22]، وقال - سبحانه -: {وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ}[23]، والآيات في هذا المعنى كثيرة.

 

فمن زعم أو اعتقد أنه يجوز أن يعبد مع الله غيره من ملك، أو نبي، أو شجر، أو جن، أو غير ذلك فهو كافر، وإذا نطق وقال بلسانه ذلك صار كافراً بالقول والعقيدة جميعاً، وإن فعل ذلك ودعا غير الله واستغاث بغير الله صار كافراً بالقول والعمل والعقيدة جميعاً، نسأل الله العافية من ذلك.

 

ومما يدخل في هذا ما يفعله عباد القبور اليوم في كثير من الأمصار من دعاء الأموات، والاستغاثة بهم، وطلب المدد منهم، فيقول بعضهم: يا سيدي المدد المدد، يا سيدي الغوث الغوث، أنا بجوارك اشف مريضي، ورد غائبي، وأصلح قلبي، يخاطبون الأموات الذين يسمونهم الأولياء، ويسألونهم هذا السؤال، نسوا الله وأشركوا معه غيره - تعالى -الله عن ذلك - فهذا كفر قولي وعقدي وفعلي.

 

وبعضهم ينادي من مكان بعيد وفي أمصار متباعدة يا رسول الله انصرني ونحو هذا، وبعضهم يقول عند قبره: يا رسول الله اشف مريضي، يا رسول الله: المدد المدد، انصرنا على أعدائنا، أنت تعلم ما نحن فيه، انصرنا على أعدائنا. والرسول - صلى الله عليه وسلم - لا يعلم الغيب، إذ لا يعلم الغيب إلا الله - سبحانه -، هذا من الشرك القولي والعملي، وإذا اعتقد مع ذلك أن هذا جائز وأنه لا بأس به صار شركاً قولياً وفعلياً وعقدياً نسأل الله العافية من ذلك. وهذا واقع في دول وبلدان كثيرة، وكان واقعاً في هذه البلاد، كان واقعاً في الرياض والدرعية قبل قيام دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله -، فقد كانت لهم آلهة في الرياض والدرعية وغيرهما، أشجار تعبد من دون الله، وأناس يقال: إنهم من الأولياء يعبدونهم مع الله، وقبور تعبد مع الله.

 

وكان قبر زيد بن الخطاب - رضي الله عنه - موجوداً في الجبيلة حيث قتل في حروب الردة أيام مسيلمة، كان قبره يعبد من دون الله حتى هدم ذلك القبر ونسي اليوم والحمد لله بأسباب دعوة الشيخ محمد قدس الله روحه وجزاه عنا وعن المسلمين أفضل الجزاء.

 

وقد كان في نجد والحجاز من الشرك العظيم والاعتقادات الباطلة، ودعوة غير الله ما لا يعد ولا يحصى، فلما جاء الشيخ محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله - في النصف الثاني من القرن الثاني عشر، أي قبل ما يزيد عن مائتي سنة، دعا إلى الله، وأرشد الناس، فعاداه كثير من العلماء الجهلة وأهل الهوى، لكن الله أيده بعلماء الحق، وبآل سعود - رحم الله الجميع - فدعا إلى الله، وأرشد الناس إلى توحيد الله، وبين لهم أن عبادة الجن والأحجار والأولياء والصالحين وغيرهم شرك من عمل الجاهلية، وأنها أعمال أبي جهل وأمثاله من كفار قريش في عبادتهم اللات والعزى، ومناة، وعبادة القبور، هذه هي أعمالهم، فبين - رحمه الله - للناس، وهدى الله على يديه من هدى، ثم عمت الدعوة بلاد نجد والحجاز وبقية الجزيرة العربية، وانتشر فيها التوحيد والإيمان، وترك الناس الشرك بالله وعبادة القبور والأولياء بعد أن كانوا يعبدونها إلا من رحم الله، بل كان بعضهم يعبد أناساً مجانين لا عقول لهم ويسمونهم أولياء، وهذا من عظيم جهلهم الذي كانوا واقعين فيه.

 

ومنها الردة بالشك:

عرضنا للردة التي تكون بالقول، والردة بالعمل، والردة بالعقيدة، أما الردة بالشك فمثل الذي يقول: أنا لا أدري هل الله حق أم لا؟ أنا شاك، هذا كافر كفر شك، أو قال: أنا لا أعلم هل البعث حق أم لا؟ أو قال: أنا لا أدري هل الجنة والنار حق أم لا؟ أنا لا أدري، أنا شاك.

فمثل هذا يستتاب، فإن تاب وإلا قتل كافراً لشكه فيما هو معلوم من الدين بالضرورة وبالنص والإجماع.

 

فالذي يشك في دينه ويقول: أنا لا أدري هل الله حق؟ أو هل الرسول حق؟ وهل هو صادق أم كاذب؟ أو قال: لا أدري هل هو خاتم النبيين؟ أو قال: لا أدري مسيلمة كاذب أم لا؟ أو قال: ما أدري هل الأسود العنسي - الذي ادعى النبوة في اليمن - كاذب أم لا؟ هذه الشكوك كلها ردة عن الإسلام، يستتاب صاحبها ويبين له الحق، فإن تاب وإلا قتل. ومثل لو قال: أشك في الصلاة هل هي واجبة أم لا؟ أو الزكاة هل هي واجبة أم لا؟ وصيام رمضان هل هو واجب أم لا؟ أو شك في الحج مع الاستطاعة هل هو واجب في العمر مرة أم لا؟ فهذه الشكوك كلها كفر أكبر يستتاب صاحبها، فإن تاب وآمن وإلا قتل؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((من بدل دينه فاقتلوه)) رواه البخاري في الصحيح[24].

 

فلا بد من الإيمان بأن هذه الأمور - أعني الصلاة والزكاة والصيام والحج - كلها حق وواجب على المسلمين بشروطها الشرعية، هذا الذي تقدم هو القسم الأول من القوادح، وهو القسم الذي ينقض الإسلام ويبطله، ويكون صاحبه مرتداً يستتاب، فإن تاب وإلا قتل.

 

أما النوع الثاني:

فهو وجود القوادح دون الكفر، لكنها تضعف الإيمان وتنقصه، وتجعل صاحبها معرضاً للنار وغضب الله، لكن لا يكون صاحبها كافراً.

وأمثلة ذلك كثيرة منها: الزنا إذا آمن أنه حرام ولم يستحله، بل يزني ويعلم أنه عاص، هذا لا يكون كافراً وإنما يكون عاصياً، لكن إيمانه ناقص، وهذه المعصية قدحت في عقيدته لكن دون الكفر، فلو اعتقد أن الزنا حلال صار بذلك كافراً.

 

وهكذا لو قال: السرقة حلال، أو ما أشبه ذلك، يكون كافراً؛ لأنه استحل ما حرم الله، وكذلك الغيبة والنميمة وعقوق الوالدين وأكل الربا وأشباه ذلك، كل هذه من القوادح في العقيدة المضعفة للدين والإيمان.

 

وهكذا البدع، وهي أشد من المعاصي، فالبدع في الدين تضعف الإيمان، ولا تكون ردة ما لم يوجد فيها شرك.

 

ومن أمثلة ذلك: بدعة البناء على القبور، كأن يبني على القبر مسجداً أو قبة، فهذه بدعة تقدح في الدين وتضعف الإيمان، لكن إذا بناها وهو لا يعتقد جواز الكفر بالله، ولم يقترن بذلك دعاء الميتين والاستغاثة بهم والنذر لهم، بل ظن أنه بفعله هذا يحترمهم ويقدرهم، فهذا العمل حينئذ ليس كفراً، بل بدعة قادحة في الدين تضعف الإيمان وتنقصه، ووسيلة إلى الشرك.

 

ومن أمثلة البدع: بدعة الاحتفال بالمولد النبوي حيث يحتفل بعض الناس في الثاني عشر من ربيع الأول بمولد النبي - صلى الله عليه وسلم -، فهذا العمل بدعة لم يفعله النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا أصحابه ولا خلفاؤه الراشدون، ولم يفعلها أهل القرن الثاني ولا الثالث، بل هذه بدعة محدثة[25].

 

أو الاحتفال بمولد البدوي، أو عبد القادر الجيلاني، أو غيرهما، فالاحتفال بالموالد بدعة من البدع، ومنكر من المنكرات التي تقدح في العقيدة؛ لأن الله ما أنزل بها من سلطان، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة)) رواه مسلم[26]، وقال - عليه الصلاة والسلام -: ((من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)) متفق على صحته[27]، أي فهو مردود عليه، وقال - عليه الصلاة والسلام -: ((من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد)) خرجه مسلم في صحيحه[28]، وقال: ((إياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة))[29]، فالبدع من القوادح في الدين التي دون الكفر، إذا لم يكن فيها كفر، أما إذا كان في الاحتفال بالمولد دعوة الرسول - صلى الله عليه وسلم - والاستغاثة به وطلبه النصر صار شركاً بالله، وكذا دعاؤهم يا رسول الله انصرنا، المدد المدد يا رسول الله، الغوث الغوث، أو اعتقادهم أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - يعلم الغيب أو غيره، كاعتقاد بعض الشيعة في علي والحسن والحسين أنهم يعلمون الغيب، كل هذا شرك وردة عن الدين، سواء كان في المولد أو في غير المولد.

 

ومثل هذا قول بعض الرافضة: إن أئمتهم الإثني عشر يعلمون الغيب، وهذا كفر وضلال وردة عن الإسلام؛ لقوله - تعالى -: {قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلا اللَّهُ}[30]، أما إذا كان الاحتفال بمجرد قراءة السيرة النبوية، وذكر ما جرى في مولده وغزواته، فهذا بدعة في الدين تنقصه ولكن لا تنقضه.

 

ومن البدع: ما يعتقده بعض الجهال في شهر صفر من أنه لا يسافر فيه، فيتشاءمون به[31]، وهذا جهل وضلال، فقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((لا عدوى ولا طيرة ولا صفر ولا هامة)) متفق على صحته، وزاد مسلم: ((ولا نوء ولا غول))[32]؛ لأن اعتقاد العدوى والطيرة والتعلق بالأنواء، أو الغول[33]، كل هذه من أمور الجاهلية التي تقدح في الدين.

 

ومن زعم أن هناك عدوى فهذا باطل، ولكن الله جعل المخالطة لبعض المرضى قد تكون سبباً لوجود المرض في الصحيح، ولكن لا تعدي بطبعها، ولما سمع بعض العرب قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((لا عدوى..)) قال: يا رسول الله الإبل تكون في الرمال كأنها الظباء فإذا دخلها الأجرب أجربها، قال - صلى الله عليه وسلم - ((فمن أعدى الأول))[34] أي: من الذي أنزل الجرب في الأول[35].فالأمر بيد الله - سبحانه وتعالى - إذا شاء أجربها بسبب هذا الجرب، وإن شاء لم يجربها.وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: ((لا يوردن ممرض على مصح))[36] يعني لا توردوا الإبل المريضة على الصحيحة، بل تكون هذه على حدة وهذه على حدة، وذلك من باب اتقاء الشر والبعد عن أسبابه، وإلا فالأمور بيد الله، لا يعدي شيء بطبعه إنما هو بيد الله: {قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا}[37]، فالخلطة من أسباب وجود المرض فلا تنبغي الخلطة، فالأجرب لا يخالط الصحيح، هكذا أمرنا الرسول - صلى الله عليه وسلم - من باب الاتقاء والحذر من أسباب الشر، لكن ليس المعنى أنه إذا خالط فإنه سيعدي لا، قد يعدي وقد لا يعدي، والأمر بيد الله - سبحانه وتعالى -؛ ولهذا قال - صلى الله عليه وسلم -: ((فمن أعدى الأول؟)).

 

ومن هذا الباب قوله - صلى الله عليه وسلم -: ((فر من المجذوم فرارك من الأسد))[38]، والمقصود: أن تشاؤم أهل الجاهلية بالعدوى وبالتطير أو الهامة وهي روح الميت، يقولون: إنها تكون كأنها طائر حول قبره يتشاءمون بها، وهذا باطل لا أصل له، وروح الميت مرتهنة بعمله إما في الجنة أو النار.

 

والطيرة والتشاؤم بالمرئيات والسمعيات من عمل الجاهلية، حيث كانوا يتشاءمون إذا رأوا شيئاً لا يناسبهم مثل الغراب، أو الحمار الأسود، أو مقطوع الذنب، أو ما أشبه ذلك، فيتشاءمون به، هذا من جهلهم وضلالهم، قال الله - جل وعلا - في الرد عليهم: {أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ}[39]، فالله بيده الضر والنفع، وبيده العطاء والمنع، والطيرة لا أصل لها، ولكنه شيء يجدونه في صدورهم ولا حقيقة له، بل هو شيء باطل، ولهذا قال - صلى الله عليه وسلم -: ((لا طيرة))، ولذا يجب على المسلم إذا رأى ما يتشاءم به ألا يرجع عن حاجته، فلو خرج ليسافر وصادفه حمار غير مناسب، أو رجل غير مناسب أو ما أشبه ذلك، فلا يرجع، بل يمضي في حاجته ويتوكل على الله، فإن رجع فهذه هي الطيرة، والطيرة قادحة في العقيدة ولكنها دون الشرك الأكبر، بل هي من الشرك الأصغر.

 

وهكذا سائر البدع كلها من القوادح في العقيدة، لكنها دون الكفر، إن لم يصاحبها كفر. فهذه البدع مثل بدعة الموالد، والبناء على القبور، واتخاذ المساجد عليها، ومثل صلاة الرغائب هذه كلها بدع، والاحتفال بليلة الإسراء والمعراج التي يحددونها بسبع وعشرين من رجب، هذه بدعة ليس لها أصل، وبعض الناس يحتفل بليلة النصف من شعبان ويعمل فيها أعمالاً يتقرب بها، وربما أحيا ليلها أو صام نهارها يزعم أن هذا قربة، فهذا لا أصل له، والأحاديث فيه غير صحيحة، بل هو من البدع.

 

والجامع في هذا أن كل شيء من العبادات يحدثه الناس ولم يأمر به الرسول - صلى الله عليه وسلم - ولم يفعله ولم يقره فهو بدعة؛ لأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال: ((من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد))، وقال: ((من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد))، وكان يقول في خطبة الجمعة: ((وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة))[40] يحذر الناس من البدع ويدعوهم إلى لزوم السنة - صلى الله عليه وسلم -.

 

فالواجب على أهل الإسلام أن يلزموا الإسلام ويستقيموا عليه، وفي هذا كفايتهم وكمالهم، فليسوا بحاجة إلي بدع، يقول الله - تعالى -: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِينًا}[41]، فالله أكمل الدين وأتمه بحمده وفضله، فليس الناس بحاجة إلى بدع يأتون بها، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ))[42].

 

فليس الناس بحاجة إلى بدع زيد وعمرو، بل يجب التمسك بما شرعه الله، والسير على منهج الله، والوقوف عند حدوده، وترك ما أحدثه الناس، كما قال الله - سبحانه وتعالى - ذماً للبدع وأهلها: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ}[43].

 

وفق الله الجميع لما فيه الخير، وأصلح أحوال المسلمين، ووفقهم للفقه في دينه، وجنبهم أسباب الزيغ والضلال والانحراف، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه وأتباعهم بإحسان إلى يوم الدين.

----------------------------------------

[1] سورة آل عمران الآية 19.

[2] سورة المائدة الآية 3.

[3] سورة آل عمران الآية 58.

[4] جزء من حديث رواه البخاري (3442، 3443)، ومسلم (2365) (143، 144، 145) وغيرهما من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال في (مختار الصحاح): بنو العلات: أولاد الرجل من نسوة شتى، سميت بذلك لأن الذي تزوج أخرى على أولى قد كانت قبلها ناهل، ثم علَّ من هذه، والعلل: الشرب الثاني، يقال عَلَلُ بعد نهل ا. هـ. قال الحفظ ابن حجر - رحمه الله -: (معنى الحديث: أن أصل دينهم واحد وهو التوحيد وإن اختلفت فروع الشرائع) انظر فتح الباري (6/ 489).

[5] سورة المائدة الآية 48.

[6] سورة الأعراف الآية 157.

[7] سورة الحج الآية 78.

[8] جزء من حديث رواه البخاري (335، 438، 3122)، ومسلم (521).

[9] سورة البقرة الآية 185.

[10] سورة الحج الآية 62.

[11] صحيح البخاري (8/ 139).

[12] صحيح البخاري (3017).

[13] صحيح البخاري (6923)، صحيح مسلم (1733، 15)، واللفظ هنا لمسلم في (باب النهي عن طلب الإمارة والحرص عليها)، من كتاب الإمارة.

[14] صحيح البخاري (3017).

[15] المسند (5/ 346)، سنن الترمذي (2623)، سنن النسائي (1/ 231، 232)، سنن ابن ماجه (1079) من حديث بريدة - رضي الله عنه -.

[16] صحيح مسلم، كتاب الإيمان 35 ـ باب بيان إطلاق اسم الكفر على من ترك الصلاة برقم (86)، ورواه الإمام أحمد بلفظ)) بين الرجل وبين الشرك أو الكفر ترك الصلاة)) المسند (3/ 389)

 


RSS v2.0 FEED أضف الصفحة إلى MySpace! أضف الصفحة إلى iGoogle أضف الصفحة إلى My Yahoo أضف الصفحة إلى Microsoft live أضف الصفحة إلى facebook برنامج قارىء RSS Subscribe Bookmark and Share


تعليقات القراء على المقالات : أضف تعليقك الآن

ملاحظة هامة : هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها.

الأسئلة والتعليقات المقتضبة أو تلك التى لا تتعلق بموضوع المحاضرة ستحذف تلقائيا.

عبد الله محمد
سم الله الرحمن الرحيم .و الحمد لله رب الخلائق أجمعين ،إن الفضل لله تعالى ، فنفعنا الله بما قدمتم لنا فضيلة الشيخ . وهذه أمتنا الإسلامية نرى فيها كل صنوف الردة التي ذكرتم ، فمن غير دينه في بلد عربي إلى المسيحية بل و غير اسمه من مصطفى إلى روبير لكنه لم يقتل ...لا أريد تجسيد كل كبيرة و صغيرة ، و لكني أظيف إلى ما يسعى إليه الناس في مجتمعات إسلامية من ربا الأموال و أموال اليناصيب ... عجبا و الله تضمنها حكومات ... الفقر من مصائب مجتمع تجد الفقراء في محلات بيع اليناصيب ـ بكل أنواعه ـ ضحايا هم أم لم يجدوا واعظا بينهم ؟؟؟ التلفزيون كل يوم و ليلة يدعو إلى (( الربح )) (( الفوز )) بل مسابقات أزواج لا لا لا .. لا أستطيع أن أكمل .... اللهم اهدنا و تب علينا و نجنا برحمتك يا منيب

سالم عبد الرحمن
رحمتة الله عليه وعلى جميع أموات المسلمين

نواف الشمري
الله يررحمه ويدخله فسيح جناته
ويلحقنا به والصالحين لجنات النعيم
آمين

محي الدين جوهر
اللهم ارحم الشيخ عبدالعزيز ابن باز واجمعنا به في جناتك جنات النعيم.

اشرف حسين الحسين
اللهم يا حي ياقيوم يامالك الملوك يارب العالمين يامنان ياكريم يا من بيده ملكوت السماوات والأرض وهو يجير ولا يجار عليه يا أرحم الراحمين ويا أكرم الأكرمين يامن خلق السماوات والأرض في ستة أيام يا كريم يا حنان يامنان يذا الجلال والإكرام اللهم إني أسألك أن تغفر لشيخنا الشيخ عبدالعزيز اللهم أدخله الجنة اللهم ياحي ياقيوم هيء لامة الإسلام وللسعودية رجلا يحفظ للمكانة الدينية والإسلامية هيبتها يارب يارب مالنا غيرك يالله

كوثر المسلمي
الله يرحمك ياشيخنا .. ويغفر لك ويسكنك فسيح جناته ويجمعنا واياك في الجنة ان شاء الله سبحانه وتعالى


اللهم آمين

عبد الرحمن ال سيف
رحمك الله ياشيخنا واسكنك جنة الفردوس

اللهم لاتحرمنا اجره ولا تفتنا بعده

عمر الرشيد
رحمك الله يا شيخ عبدالعزيز بن باز

أسأل الله أن يجمعنا و إياك في الفردوس الأعلى

مشعل الغريبي
رحمة الله عليك يا شيخ الشيوخ رحمة الله عليك يا بن باز
الله لايجعل بينك وبين الفردوس حجاب

محمد الشيخ
هو أعمى البصر .. مبصر البصيرة عليه رحمات الله تترا !!


للعلم: أكبر جنازة صُلي عليها في هذا العصر هي جنازة ..


سماحة الشيخ العلامة عبدالعزيز بن عبدالله بن باز -رحمه الله-


صُلي عليه في روسيا وفي أمريكا وحتى في اليابان !!


واحتشد مئات الالاف للصلاة عليه في الحرم المكي !!



شهرزاد
الله يرحم شيخنا بن باز وجعله قدوة لمن بعده

ليث قطر
نعم والله إنه شيخ الاسلام في هذا الزمان دون مبالغة


لله دره .. رحمه الله !!


خطاب العنزي
علم من أعلام الأمة .. الذي لا زالت كتبه

وشروحه ودروسه تدرس وتسمع إلى يومنا هذا .. فقد كان رحمه الله عالماً ربانياً .. بذل وقته وصحته

في سبيل نفع الناس بشتى أنواع المنفعة والعلوم ..

فرحم الله مشايخنا وعلماؤنا وأسكنهم فسيح جناته ..

كحيلان
علم من أعلام الأمة .. ارتبط اسمه بالإسلام في هذا العصر ..
وسيذكره التاريخ على مر العصور ..


يتكلم عن ابن باز علمه وكتبه ودروسه وطلابه ..

رحم الله ابن باز وغفر له .. ورحم جميع أئمة الإسلام ..



بارك الله فيكم .. وجزاكم الخير الكثير !



ابو خالد
رحم الله ناصر السنة في زمان الفتن والشبهات


اللهم أرحم شيخنا الشيخ بن باز رحمه تغفر بها ذنوب جميع المسلمين......آمين


خليل شعبان
الله يرحم شيخنا الجليل الشيخ عبد العزيز بن باز ويسكنه الفردوس الأعلى

ابراهيم
رحمه الله تعالى ورحم كل عالم عامل


ابو الوليد
الله يرحم شيخنا الجليل ابن باز وجعله في جنات النعيم والمسلمين اجمعين

حامل المسك
الله يرحم شيخنا الجليل (عبدالعزيز بن باز) ويسكنه الله فسح الجنان


عاشق الجنان
عشت حياً عالما وواعضاً

وبقيت في قلوبنا حياً

رحمك الله يابن باز

رحمك الله أيها الداعية الإنسان


عبد الله بن ابراهيم العساف
عبدُ العزيزِ ابنُ بازٍ ماتَ!!وا أسفي
فهلْ ستنفعــني الأشعـارُ والخُطَـبُ
ماتَ الذي كانَ مصباحاً يضاءُ به
إن عـاينتهُ شمـوسُ العـلمِ تحْـتجِـبُ



بكتك قلوبنا قبل عيوننا يابن باز
الى جنان الخلد يامن كنت نورا في زمن الظلمه

سعد الغليسي
رحمه الله رحمة واسعه

واعلى درجته

كان امة فــــــــــــــي رجل


الأندلسي
رحم الله الشيخ العلامة ابن باز واسكنه فسيح جناته

أبو البواسم
الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله

عند ذكر اسمه يتنهد صدري

وتحتبس العبرة في عيني

ابن باز أحبه الصغير والكبير والعالم والجاهل

أحبه كل من عرفه وكل من سمع عنه

رحمك الله يابن باز

وجمعنا الله بك في أعلى الجنان


علي طه
رحم الله شيخنا

واسكنه فسيح جناته

ناصر الخليوي
رحمة الله عليك يا شيخنا. ... رحمة الله عليك يا شيخنا

عبد الله بن عبد اللطيف
بسم الله الرحمن الرحيم


رحمك الله يا شيخنا الفاضل

إلى الأعلى


أرسال لصديق

التلاوت القرآنية

الدروس والمحاضرات

أحصائيات
    عدد المقالات (26769)
    عدد الكتب (4770)
    عدد الصوتيات (114455)
القائمة البريدية
القائمة البريدية
المعلومات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي قائلها أو كاتبها كما يحق لك الاستفادة من محتويات الموقع في الاستخدام الشخصي غير التجاري مع ذكر المصدر 
Midad.com ©  2012
وقت تحميل الصفحة: 0.845 ثانية  |   خريطة الموقع  |   Rss  |  كيف تستخدم هذا الموقع