بسم الله الرحمن الرحيم
الخطبة الأولى:
ثم أما بعد: فإنه لا يخفى عليكم ـ معاشر المؤمنين ـ ما يمرّ به المسلمون في أنحاء العالم عمومًا، وفي أرض المقدس قبلتنا الأولى خصوصًا، وأسوأ ما في هذه الأزمة ـ معاشر المؤمنين ـ أنها تتمّ على يد أحفاد القردة والخنازير، أولئك الذين غضب الله عليهم ولعنهم وجعل منهم القردة والخنازير.
وهذه الحرب ـ معاشر المؤمنين ـ بين أطرافها الثلاثة، بين اليهود والنصارى والمسلمين، هي حربٌ عقدية دينية عند كل طرف من هذه الأطراف، ولكن مع الأسف الشديد ـ معاشر المؤمنين ـ يفخر الطرفان الأوّلان بأنها حرب دينية وينطلقون من معتقداتهم، ويحاول الطرف الثالث بمن يقوده من أذناب لهم لِتهميش هذا الدافع العظيم، ويجعلونها حربًا بين العرب وإسرائيل، ويسمونها قضية الشرق الأوسط، والله - عز وجل - يقول في محكم التنزيل: {وَلِيَدْخُلُواْ الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِيرًا} [الإسراء: 7]، فبيّن - جل وعلا - أن النصر لا يكون إلا لمن أراد المسجد، وأراد هذه القبلة المباركة، لا يطمع في أرض ولا حدودٍ ولا سياسةٍ ولا إقامة دولة، وإنما هاجسُه أن يدخل المسجد كما دخله الفاروق وأصحابه أول مرة، وَلِيُتَبّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِيرًا.
نعم معاشر المؤمنين، الحرب عقدية بين أطرافها، فاليهود يعتقدون كما في عهدهم القديم المحرَّف أن هذه الأرض أرض الميعاد، ويعتقدون أن نسل إسماعيل عبيدٌ سرمديون لهم إلى قيام الساعة، وأما النصارى فيعتقدون أن من واجبهم أن يساندوا اليهود، وهذا مذكور في كتبهم المقدسة، لذلك يقدّم النصارى ما مقداره أربعة عشر مليون دولار يوميًا لليهود معوناتٍ لهم، وهذا أمر بيِّنٌ لا يستحيون منه معاشر المؤمنين، مذكور في صُحُفهم وكتبهم ونشراتهم.
وأما الذي يهمنا نحن المؤمنين، وفي هذا البلد المقدس المبارك، الذي يهمنا ـ معاشر المؤمنين ـ أن نعرف لماذا يُغيَّب هذا الدين العظيم عن هذه القضية؟ لماذا دائمًا يغيَّب الإسلام عن قضية المسجد الأقصى؟
إن الإسلام يُغيَّب عمدًا؛ لأنهم جميعًا يعلمون هم وأذنابهم قبل كل شيء أن الحلَّ الأمثل لهذه القضية، بل الحل الأوحد لها كما يقول - جل وعلا -: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ فلم ينادِ العرب، ولم ينادِ الناس جميعًا، وإنما نادى المؤمنين: يا أَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ قَاتِلُواْ الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مّنَ الْكُفَّارِ وَلِيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} [التوبة: 123].
فهم يعلمون ـ معاشر المؤمنين ـ أنه لا حلَّ لهم في دين الإسلام وعند المسلمين إلا واحد من السيوف الأربعة التي بُعث بها النبي، أتدرون ما السيوف الأربعة؟! يقول علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - وأرضاه: بُعِثَ النبي بأربعة أسياف: سيف للمنافقين فقال - جل وعلا -: {يا أَيُّهَا النَّبِي جَـاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَـافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ} [التحريم: 9]، وسيف للمشركين عمومًا فقال - جل وعلا -: {فَإِذَا انسَلَخَ الأشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ} [التوبة: 5]، وأما السيف الثالث فهو لقتال أهل البغي، {فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَـاتِلُواْ الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِىء إلى أَمْرِ اللَّهِ} [الحجرات: 9]، وأما السيف الرابع ـ معاشر المؤمنين ـ وهو الذي يخافونه ويعلمون أنه مسلّط عليهم موعود أهلهُ وحاملوه بالنصر المبين على عبدَة الصليب وإخوانهم من القردة والخنازير، فهو السيف الذي يقول - جل وعلا - عنه: {قَـاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَـابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَـاغِرُونَ} [التوبة: 29]. فهذه أسياف أربعة بُعث بها النبي وقال: ((جعل رزقي تحت ظل رمحي)).
من أجل ذلك ـ معاشر المؤمنين ـ يُغيَّب الإسلام، فهذه الحالة التي يعيشها المسلمون لا تحتمل مفاوضات ولا سلام، وإنما ليس لها إلا سيف المصطفى - صلى الله عليه وآله وسلم -، وهذا الذي ينبغي على كل مسلم أن يعتقده، وإن لم يستطعه في هذه الأيام نظرًا لتكالب الأعداء وتكالب حلفائهم وأذنابهم، فلا أقلّ من أن يعتقد المؤمن أنه لا خلاص له ولا لأمته إلا بقتال الكفار وجهادهم، فإن الله - عز وجل - قد أذن لنا بذلك فقال: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَـاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ وَإِنَّ اللَّهَ على نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ} [الحج: 39]، فالله - جل وعلا - وعد هذه الأمة بالنصر المبين على أعدائه الملاعين.
ثم اعلموا ـ رحمني الله وإياكم ـ بأن أحوال أهل الأرض من المشركين والكفار مع الإسلام لا تخرُج عن ثلاثة أمور: إما أن يُسلموا ويدخلوا في دين الله أفواجًا، فحينها يكونون إخوة لنا، لهم ما لنا وعليهم ما علينا، وإما ـ وهذه هي الحالة الثانية ـ وإما سيفٌ من أحد هذه السيوف الأربعة، وإما ـ وهي حالتهم الثالثة ـ أن يدفعوا الجزية عن يدٍ وهو صاغرون، ويبقوا تحت حكم الإسلام، وتحت رايته، وتحت ظله، لا يحيدون عنه قيد أنملة.
هذا حكم الله معاشر المؤمنين، وهذا شرعه، وهذا ما ارتضاه لأمته، ولا يحل لمسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن يحيد عن هذا المعتقد، فضلاً عن أن يُولي وجهه شطر البيت الأبيض أو الأحمر، فإن الذي يستمع ـ معاشر المؤمنين ـ إلى المسلمين الذين أكرمهم الله - عز وجل - بهذا الدين المبارك وهذه العقيدة وهذا الركن المبارك وهو الجهاد في سبيل الله، ثم يستمع إليه وهو يناشد المجتمعات الدولية، وهو يناشد أعداء الله من اليهود والنصارى ليُشفَق عليه وعلى عقيدته ويخشَى عليه أن ينقض دينه نقضًا، وأن يبطل صلاته وصيامه وحجه وزكاته؛ لأن التعلق بهؤلاء ورجاء الأمل منهم مخالف لعقيدة المؤمنين جملة وتفصيلاً.
فاعلموا هذا معاشر المؤمنين، ولا أقل من أن يتمنى الرجل منكم الشهادة في سبيل الله، فيكرمه الله منزلة الشهداء، وإن مات على فراشه بين أهله، {ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} [الحديد: 21].
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية:
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بفضلك ومنّك وكرمك يا أرحم الراحمين.
ثم أما بعد: معاشر المؤمنين، فتتفاوت ردود أفعال المسلمين عمومًا حينما يرون هذه النكبات وهذه المصائب تنزل بإخوانهم في جميع بقاع العالم على مرأى ومسمع من الجميع، وقد ظهر في الآونة الأخيرة أسلوبٌ انتشر حتى في بعض الدول التي لم تعرفه من قبل، يظن أهله أنه حلّ يقوم به المغلوب على أمره، وهذا الحل ـ معاشر المؤمنين ـ خطره جدُّ عظيم على أمتنا، رأيتُ من الواجب التنبيه عليه، وهو المظاهرات والحشود الحاشدة التي تخرج فيها الجماهير في كل مكان، يحرقون الأعلام، ويهتفون ويسبّون ويشتمون، هذا الأمر يفرح به الكثير، ويظنونه مظهرًا من مظاهر الرجولة والغيرة على الدين والعرض، والواقع ـ معاشر المؤمنين ـ أنه يخدم الأعداء أكثر مما يتوقع أولئك المتحمسون المخلصون، وذلك للأوجه التالية:
أولاً: أن هذه المظاهرات تنفّس عن حنق وحقد أصحابها، فإذا خرج الرجل وسبَّ وشتم ظنّ أنه قد أدى ما عليه، وليس هذا صوابًا ولا صحيحًا، فلا تبرأ ذمته، ولا ينتهي دوره بالسب واللعن والشتم وحرق الأعلام وما شابه ذلك، بل عليه أن يُعد نفسه للجهاد في سبيل الله، وأن يصلح حاله مع ربه - جل وعلا -، فإن الله جعل للنصر شروطًا لا يمكن أن يتحقق النصر أبدًا إلا إذا تحققت هذه الشروط: {إِن تَنصُرُواْ اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبّتْ أَقْدَامَكُمْ} [محمد: 7]. ونصرة الله تكون بنصرة دينه وشرعه والالتزام بأمره واجتناب نهيه، فمن لم يمتثل أمر الله ويجتنب نهيه ما نصر الله، ومن لم ينصر الله لا نصْرَ له، لذلك يعجب الرجل وهو يرى السفلة من القوم من المطربين والفنانين يتقدمون هذه المظاهرات، وما علموا أن ما أصابنا من ذل وضعف إنما هو بسبب فسادهم، وبسبب فسقهم وإضلالهم للشباب والشابات في كل مكان، فكانوا كمثل من يقتل رجلاً ثم يشيّع جنازته، فهذه الهتافات والمظاهرات ـ معاشر المؤمنين ـ تضلّل أصحابها، وتقنعهم بأنهم قاموا بدور فعّال وما قاموا بشيء أبدًا.
ثانيًا: هذه المظاهرات ـ معاشر المؤمنين ـ والهتافات تريح أعداء الله، إذ إنهم يعلمون أن هذا هو منتهى ما يحصل من الشعوب الإسلامية، يحرقون عشرين علمًا، ويتظاهرون لساعتين أو ثلاثة، ثم يعودون إلى أسواقهم ودورهم وأهلهم، أما لو سكت المسلمون وأعدوا للعدو عدته، فإنه يقلق أيما قلق، ويعلم أن عدوه متنبه له، لذلك لا نجد أحدًا ممن يحارب المسلمين، لا نجده يتظاهر، ولا يهتف، لا يقول: الويل للمسلمين والدمار للمسلمين، ولا يحرق أعلامهم، بل يحرق دولهم ودورهم وديارهم بفعله لا بقوله، وبأسلحته لا بهتافاته، فهذه المظاهرات ـ معاشر المؤمنين ـ تخدير عظيم للأمة، لذلك يسمح بها أصحاب الأنظمة الضالة، يسمحون بها، ويسمحون لشعوبهم بالخروج، حتى يشعروا أنهم قد أدوا ما عليهم.
ومن الأسباب التي يتبين بها خطأ هذا المسلك ما يحصل فيها أحيانًا من حرق للأعلام ووطئها بالأقدام، والله - عز وجل - نهى عن سب آلهة المشركين مع أنها آلهة باطلة، وكل ما سوى الله من معبود فهو باطل، وأصحابه مشركون، مع ذلك ينهانا ربنا - جل وعلا - عن سب آلهتهم، حتى لا يسبوا الله عدوًا بغير علم، فكيف لو اجتاظ اليهود غضبًا وكذلك أعوانهم من النصارى فوطئوا علم "لا إله إلا الله" بأقدامهم، وحرقوه في ميادينهم، من يحمل هذا الإثم على عاتقه؟! ومن الذي دفعهم لهذا الفعل معاشر المسلمين؟!
فالواجب إذًا على كل مؤمن غيور أن يعلم أنه مطالب بوضع بذرة النصر التي لا بد منها، والتي لا يتحقق النصر إلا بها، وهي إصلاح حاله مع الله - عز وجل -، فجُلُّ هؤلاء المتظاهرين إذا تظاهروا بعد العصر فلعلهم فوَّتوا الظهر والعصر، وإن تظاهروا بعد العشاء لعلهم فوتوا المغرب، وهذا ما يشاهد، يقفون لساعات طويلة، فأين الصلاة التي هي عمود الدين؟! وأين ترك المنكرات والمحرمات والموبقات التي يتلبسون بها؟!
فاعلموا ـ معاشر المؤمنين ـ إن كان يؤلمكم ما يمر به إخوانكم، وإن علمتم أنكم الكبش الذي يليه، فاعلموا أنه لا خلاص لنا إلا بالتوبة النصوح إلى الله - عز وجل -، وترك ما حرم الله تبارك وتعالى، وإعداد النفس وتمنيتها بالشهادة في سبيل الله، فإن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - بعث بهذه الشعيرة المباركة التي هي ذروة سنام الإسلام، ولا يوقِف مَن وصفهم الله بأنهم أحرص الناس على حياة إلا سيفٌ من سيوف المصطفى - صلى الله عليه وآله وسلم -، فكن أحدَ هذه السيوف يا عبد الله.
نسأل الله - عز وجل - بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن يبرم لهذه الأمة أمرًا رشدًا يعز فيه أهل طاعته، ويذل فيه أهل معصيته، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر، وترفع فيه راية الجهاد خفاقة أبدًا.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين...