بسم الله الرحمن الرحيم
ذكر الكاتب وفقه الله تعالى عدداً من المعالم التي يجب أن يضعها المسلم وخاصة الشباب نصب أعينهم في أوقات الفتن والنوازل، مع عضد ذلك بالأدلة من الكتاب والسنة وأقوال الأئمة، وفي هذه الحلقة يذكر بقيتها. الجندي المسلم.
المعلم (29): الفرق بين حفظ النصوص وفهمها:
شباب الإسلام: إن مجرد حفظ النصوص وسردها دون الفقه في مدلولاتها وأحوالها من الفساد والجناية على الشريعة بمكان، وهل ما فعله الخوارج من تلويث التاريخ باسم الإسلام إلا من جراء التمسك بظواهر نصوص والتحمس لها دون فهم وبصيرة، وهل ما حصل من الخروج على الأئمة وشق عصا الطاعة وهيجان السيوف إلا من جراء ذلك، فالحذر الحذر شباب الإسلام، فحفظ النصوص وسردها شيء، وفهم مدلولاتها شيء آخر، وهذا محط الركب وبيت القصيد والشاهد من القول، فرب حامل فقه ليس بفقيه ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه.
قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: "صحة الفهم وحسن القصد من أعظم نعم الله التي أنعم بها على عبده، بل ما أعطي عبد عطاء بعد الإسلام أفضل ولا أجل منهما، بل هما ساقا الإسلام وقيامه عليهما، وبهما يأمن العبد طريق المغضوب عليهم الذين فسدت فهومهم، ويصير من المنعم عليهم الذين حسنت أفهامهم وقصودهم وهم أهل الصراط المستقيم الذين أمرنا أن نسأل الله أن يهدينا صراطهم في كل صلاة".
ثم قال رحمه الله تعالى: "وصحة الفهم نور يقذفه الله في قلب العبد، ويميز به بين الصحيح والفاسد والحق والباطل والهدى والضلال والغي والرشاد، ويمده حسن القصد وتحري الحق وتقوى الرب في السر والعلانية، ويقطع مادته اتباع الهوى وإيثار الدنيا، وطلب محمدة الخلق وترك التقوى" انتهى كلامه رحمه الله تعالى(1).
المعلم (30) عدم الجزم بتنزيل النصوص الشرعية على النازلة:
شباب الإسلام: ومن المعالم في الفتن، الحذر من تنزيل النصوص الشرعية المتعلقة بالفتن والملاحم على ما يقع من النوازل والجزم بذلك دون تردد أو شك، فذلك من الرجم من الغيب ولازمه القول على الله بلا علم، ومثال ذلك أن يأتي خبر عن النبي صلى الله عليه وسلم بأنه سيكون كذا وكذا من الأمور والعلامات فيندفع بعض الناس بتنزيل ذلك النص النبوي على تلك الواقعة، ومن خير الشواهد في هذا المقام ما أخرجه الإمام مسلم في صحيحه عن جندب رضي الله تعالى عنه قال: (جئت يوم الجَرَعَة(2) فإذا رجل جالس فقلت ليُهراقَنَّ اليوم هاهنا دماء، فقال ذلك الرجل: كلا والله، فقلت: بلى والله، قال: كلا والله، قلت: بلى والله. قال: كلا والله إنه لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثنيه. قلت: بئس الجليس لي أنت منذ اليوم تسمعني أخالفك وقد سمعتَه من رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا تنهاني ثم قلت ما هذا الغضب فأقبلت عليه أسأله فإذا الرجل حذيفة)(3).
فانظروا شباب الإسلام كيف سارع حذيفة رضي الله تعالى عنه لما جزم جندب بوقوع الأمر، وانظروا كيف سارع جندب رضي الله تعالى عنه إلى الرجوع عن قوله عندما تبين له أنه على غير علم فيما جزم به.
قال الإمام القرطبي رحمه الله تعالى: (والذي ينبغي أن يقال به في هذا الباب أنما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم من الفتن والكوائن أن ذلك يكون، وتعيين الزمان في ذلك من سنة كذا يحتاج إلى طريق صحيح يقطع العذر) انتهى المراد من كلامه(4).
المعلم (31): عدم الانشغال عن القضايا الأخرى بدعوى الاشتغال بالنازلة الآنية:
شباب الإسلام: وإن من المعالم في الفتن أن تخص النازلة الآنية بالعناية بها وبالاهتمام بشأنها وهذا لا جدال فيه، إنما المحذور هنا أن يشتغل الجميع بقضية الساعة وينصرفوا عن غيرها إليها مما يترتب عليه إهمال قضايا كثيرة أخرى، وهذا من قلة الفقه وضعف البصيرة الناتج عن تحكيم العواطف بغير زمام شرعي، بل إن ذلك معاشر شباب الإسلام يهيئ لأهل الشر في الداخل والخارج أن يستغلوا تلك الأوضاع الراهنة التي أشغلتكم عنهم أن يستغلوها في مضاعفة بث شهواتهم وشبهاتهم مما يمكنها في نفوس كثير من الناس الذين فقدوا نصحكم وتوجيهكم بسبب انشغال جميعكم عنهم، فالحذر الحذر شباب الإسلام إياكم أن تؤخذوا على غرة، إياكم أن تخدعوا أو تصرفوا عن كيد أولئك فيخلو لهم الجو في بث عفنهم وخبثهم.
شباب الإسلام: إن من البصيرة والفقه في الدين أن يكون المرء حذراً فطناً وبالأخص في أوقات النوازل والفتن العظيمة التي تنصرف أذهان أكثر الناس أو كلهم إليها، وتذكروا شباب الإسلام قوله صلى الله عليه وسلم: "العبادة في الهرج كهجرة إلي" فقد ذكر بعض شراح الحديث أنه إنما خص وقت الفتن بزيادة الأجر على العبادة لغفلة الناس وذهولهم عن ذلك بسبب اشتغالهم بالفتنة. ا. هـ
شباب الإسلام: وإذا كان ذلك كذلك فإن من أعظم أنواع العبادة في أوقات الفتن والنوازل بث الخير بين الناس من أمر بمعروف ونهي عن منكر وتبصير الناس في ما يحتاجون إليه، وعدم إهمال ذلك بدعوى الاشتغال بالنازلة.
المعلم (32) الحذر من الكتبة المغرضين:
شباب الإسلام: ومن المعالم في الفتن الحذر من بعض الكتبة المغرضين، إياكم أن تستفزكم تلك الأقلام التي تولَّى زمامها طائفة من الناس جندوا أنفسهم لهدم مجتمعاتهم وبث بذور الشر والفتنة بما يكتبون، تلكم الطائفة شرذمة من الكتاب الذين بلي بهم عالمنا الإسلامي.
خانوا أممهم ومجتمعاتهم وخانوا رسالة القلم وأمانته، فسخَّروا أقلامهم في نفث سمومهم، فجعلوا التمسك بعرى الدين وأخلاقه علامة على الإرهاب وإفساد المجتمعات والممتلكات واستغلوا كل حدث لتأكيد باطلهم وفجورهم بل من عظيم مكرهم أن يصدِّروا مقالاتهم ببعض الأدلة الشرعية يتمسحون بظواهرها في ترويج شبههم فيقومون بليّ أعناق النصوص وتحريف كَلِمِها ليوافق في زعمهم مرادهم واستنتاجهم، ويجعلون لتلك المقالات عناوين براقة تخدع الناظر لها من أول وهلة، إياكم شباب الإسلام أن يستفزكم أولئك الكتبة فيشغلونكم عن دعوة الناس إلى الخير بقصد الدخول معهم في مهاترات كتابية فيشتهروا بين الناس بردكم عليهم وقد يكونون نكرة قبل ذلك.
شباب الإسلام: إن دعت المصلحة الشرعية للرد عليهم فردوا بعلم وبصيرة، وإياكم والردود الطائشة الخالية من النظر الشرعي فإن تلك الردود إذا صدرت من بعضكم استغلها أولئك الكتبة المغرضون وشمتوا بها سمعتكم وأدبكم ومنهجكم. شاهد المقال أن الرد على أولئك من الديانة لله ومن الغيرة على محارمه، وعلى هذا فليكن الرد بعلم أو الصمت بحلم، وأما مجرد تنفيس الغيظ بلا بصيرة فقد يزيد النار استطارة والغبار عجاجاً.
المعلم (33) الحذر من الإرجاف بين الناس:
شباب الإسلام: احذروا مما وقع فيه بعض الناس من الإرجاف بين الناس وإلقاء الرعب وإدخال اليأس والقنوط عليهم، وأن هذا العدو سيعود إليهم حالما ينتهي من غيرهم وأنه لا مفر من ذلك ولا مناص منه، إياكم شباب الإسلام وهذا الأسلوب في الوعظ والتحذير، فإن ذلك يزيد الناس ضعفاً إلى ضعفهم ووهناً مع وهنهم، الحذر من هذا كله، وتذكروا قول نبيكم صلى الله عليه وسلم: "من قال هلك الناس فهو أهلكُهم" وفي لفظ آخر: "فهو أهلكَهم".
فعلى المعنى الأولى: هو أشدهم هلاكاً لأنه زكى نفسه وتألى في قوله.
وعلى المعنى الآخر: أنه هو الذي تسبب في إهلاكهم لأنه أدخل الذعر في قلوبهم وغلّب جانب التشاؤم في نفوسهم، ولا يمنع هذا من تحذير الناس، إنما المحذور المبالغة في ذلك حتى يصل به الحال إلى تقنيط نفسه والسامعين.
المعلم (34) أوقات النوازل من أحسن الأوقات لتذكير الناس:
شباب الإسلام: ذكروا الناس بعلم وعظوهم ببصيرة، ذكروهم بالتوبة من الذنب وحثوهم على المبادرة في الخير، خوِّفوهم من التمادي في المعاصي، حببوا الله تعالى إلى عباده، وأدخلوا حب التفاؤل عليهم، حذروهم من عدوهم وكيده وخبثه، وسترون شباب الإسلام ما يسركم ويشرح صدوركم، إياكم شباب الإسلام والغلظة على أصحاب المعاصي من إخوانكم وجيرانكم ومن بلغكم خبره ممن لا تعرفون، عليكم بالترفق في مناصحة أولئك، فهم قد تلوثوا بمرض الخطيئة، فكونوا أطباء لهم بدواء التوبة والإرشاد إلى الخير والتذكير بشؤم المعصية، كل ذلك برفق ومحبة للخير لهم، وسترون منهم انقياداً وقبولاً، فالمسلم إذا ذُكِّر بالله تعالى تذكّر، وبخاصة إذا كانت النصيحة من قلب صادق بالنصح، ومن أوضح الأدلة على تأثر العاصي بصادق النصح ما ثبت في الحديث من خبر ذلك الرجل الذي أراد فعل الفاحشة بامرأة فلما تمكّن منها وهمّ بها قالت له: اتّق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقّه، فلما سمع الرجل ذلك قام عنها تائباً مختاراً راغباً لا راغماً.
فكونوا شباب الإسلام عوناً لأولئك العصاة على الشيطان وأنفسهم، فأنتم دلائل الخير تعلمون الناس الخير وتدلونهم عليه، اسلكوا معهم ما تقتضيه النصوص الشرعية من بيان النصح وإظهار حب الخير لهم، فكم قد رأى الناس وسمعوا عن أناس أوغلوا في المعاصي والمنكرات، فقيَّض الله لهم ناصحاً صادقاً على بصيرة من الأمر، فحول الله به حال أولئك العصاة إلى أحسن حال، وجعلهم قدوة يُقتدى بهم في الخير بعد أن كانوا عبرة يعتبر منهم في الشر.
شباب الإسلام: إن أوقات النوازل من أنسب الأوقات لتذكير الناس، فقلوبهم وجلة وظنونهم قلقة، فالله الله في حسن دعوتهم، والله الله في مضاعفة بث الخير في صفوفهم ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين ) { فصلت: 33} أي لا أحد أحسن ممن دعا إلى الله.
المعلم (35) دعوة غير المسلمين للإسلام:
وليس هذا المعلم خاصاً بوقت النوازل، وإنما في كل وقت.
شباب الإسلام: ومن المعالم أن يحرص المسلم على دعوة غير المسلمين إلى الإسلام.
فبما أن كثيراً من بلاد الإسلام قد وُجِد فيها هؤلاء، فلماذا لا يُستغل وجود هؤلاء بدعوتهم إلى الإسلام؟!
فَلِمَ لا نحاول من باب أدنى الكمال أن نُزيل من أذهانهم ما شاع عندهم بأن الإسلام دين إرهاب بسبب ما رسّخته وسائل إعلامهم، وكذا ما وقع في بعض الحوادث التي حُسِبت على الإسلام، والإسلام بريء من إقرارها، ناهيكم عن الأمر بها؟!
شباب الإسلام: لماذا لا يستحضر بعض الناس قوله صلى الله عليه وسلم: "لإن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حُمر النعم".
وإن مما يُسهّل دعوتهم ما يسّر الله تعالى وهيَّأ من الوسائل الدعوية المترجمة بلغتهم من المقروء والمسموع والمرئي، فذلك لا يُكلّف أحدنا جهداً يُذكر.
فلنحرص على إيصال تلك الوسائل إليهم، فربما جهدٌ يسيرٌ يُغيّر شراً كبيراً، وحسبكم من تغيير معتقد شخص من كفر إلى إيمان.
شباب الإسلام: إن مما شاع عن بعض الناس أنه لا يذكر غير المسلمين إلا باستصحاب تمنِّي البطش بهم والاعتداء عليهم.
فلماذا لا نُعمِل جميع النصوص في شأنهم، لماذا ينسى بعض الناس أو يتناسى أن النبي صلى الله عليه وسلم زار غلاماً يهودياً مريضاً.
فانظروا كيف اقتطع النبي صلى الله عليه وسلم جزءاً من وقته الذي يُعتبر أغلى وقت يمتلكه بشر ومع هذا كله قام صلى الله عليه وسلم مع شريف مرتبته ورفيع منزلته وعظيم مكانته بزيارة ذلك الغلام اليهودي المريض الذي ليس له حظ من مال أو جاه.
وكانت تلك الزيارة النبوية فاتحة خير لذلك الغلام اليهودي الذي أسلم أمام النبي صلى الله عليه وسلم بعدما دعاه النبي صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام.
شباب الإسلام: ألم تذكر كتب التاريخ، أن بعض الأقطار دخلها الإسلام بسبب أخلاق التجار المسلمين الذين وفدوا إليها.
رأى أهل تلك الديار الكافرة في أولئك التجار المسلمين صدقاً في القول ووفاء بالوعد وبياناً لجيد السلع من رديئها ورداً لما كان معيباً منها.
لما رأى أولئك القوم تلك الخصال التي تشهد بحسنها عقولهم سألوا عن ذلك فأخبرهم أولئك التجار أن دينهم الإسلامي يأمرهم بهذا ويرتب لهم عليه أجراً وينهاهم عن ضدّه ويرتب لهم عليه وزراً.
فما كان من كثير من أولئك الكفار إلاّ أن دخلوا في دين الإسلام.
فقل لي بربك: كم يجري من الأجور والثواب على أولئك التجار إلى هذه الساعة، بل إلى قيام الساعة؟!
شباب الإسلام: إن دعوة أولئك ودخولهم في الإسلام فيها خير عظيم للداعي والمدعو فإن لم يستجب أولئك المدعوون فلا أقَلَّ من إزالة ما علق في أذهانهم عن الإسلام ويقينهم أن بعض حكوماتهم ظلمت أو أعانت على ظلم المسلمين.
ألم يُدافع بعض أرباب الكنائس عن دين الإسلام وردّوا جهاراً ونهاراً على من زعم أن الإسلام دين إرهاب؟ وبيّنوا أن الإسلام لا يرضى الإرهاب وسفك الدماء، بل إن عدداً غير قليل من المسؤولين صرّحوا بأن حكوماتهم ظلمت واعتدت على مصالح المسلمين، بدءاً بفلسطين.
المعلم (36) الحذر من تصديق الإشاعات:
شباب الإسلام: ومن المعالم في الفتن التي ينبغي أن تتفطنوا لها وتحذروا منها، المسارعة في تصديق الإشاعات وتلقفها بمجرد سماعها لأول مرة، ومن ثمّ السعي في نشرها وبثها بين الناس، وإصدار الأحكام بناء على تلك الإشاعة وتعويلاً على لوازمها فترجفون في أوساط الناس بنشر تلك الشائعات، ولا يسمع غالب من يسمعها منكم إلا أن يصدقكم لحسن ظنه فيكم ومن ثم يبدأ سامعو الإشاعة منكم في نقلها عنكم مع أن تلك الإشاعة لا زمام لها ولا خطام ثم لو تنزل بمصداقيتها ولم تظهر تلك التوقعات الجازمة والأحكام القاطعة، فماذا عسى أن يقول الناس عنكم بعد سقوط أحكامكم وتصوراتكم الجارفة لما بني على تلك الإشاعة.
شباب الإسلام: أين أنتم من المنهج العلمي في شأن الإشاعة.
يا شباب الإسلام: اجعلوا نصب أعينكم قول ربكم تعالى: يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على" ما فعلتم نادمين ) { الحجرات: 6} ففي الآية بيان واضح أن عدم التبين والتثبت في صحة الخبر وعدم التأكد من نقله والتسرع في بناء الأحكام عليه فيه إصابة قوم بجهالة كاتهام أبرياء أو تبرئة متهمين، فالحذر الحذر شباب الإسلام من ذلك كله، واجعلوا نصب أعينكم أيضاً قوله صلى الله عليه وسلم: "بئس مطية الرجل زعموا"، وقوله صلى الله عليه وسلم: "كفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما سمع" أخرجه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه ، وفي رواية عند أحمد وأبي داود: "كفى بالمرء إثماً أن يحدث بكل ما سمع".
ثم اعلموا شباب الإسلام أن المخرج من ذلك كله أن ترد تلك الأخبار إلى أهل العلم والدراية، كما قال تعالى: وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى" أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ) { النساء: 83}.
شباب الإسلام: وإن أعظم الإشاعات تأثيراً وإرجافاً ما تبثه بعض القنوات فيسمع بعض الناس خبراً من كافر عدو للإسلام يجزم فيه ذلك الكافر أنه سيكون كذا وكذا فيقوم ذلك المتسرع إلى ذلك الخبر فيطيَّره كل مطير، ويبني عليه في مجالسه وكتاباته ويجعل خبر ذلك الكافر كأنه دليل شرعي فيرجف به في أوساط الناس ويدخل الرعب عليهم وهذا يدل على قلة فقه وضعف بصيرة، هذا في حالة كون الخبر صادقاً والتوقع واقعاً، بل حتى لو كان المتكلم مسلماً، فكيف إذا كان المتكلم كافراً، وكان خبره تهويلاً وتضخيماً، ألم يعلم ذلك المتسرع أن الحرب خدعة، ألم يعلم أن الكفار أكذب الناس.
المعلم (37) الحذر من أولئك المتصدرين المتعجلين في إصدار الأحكام والآراء:
شباب الإسلام: أنتم قدوة للمجتمع، والمجتمع يؤمل عليكم فكونوا عند حسن ظن الناس بكم، دعوا عنكم المرجفين والمتهورين، فكم تخرّص متسرعون، وكم سعى مرجفون فقالوا وجزموا واتهموا مخالفهم وطعنوا في دينه وقصده، ثم لما تكشّفت الأمور وزال الغبار بطل قولهم وظهر عوارهم.
ثم شباب الإسلام: لمَّا ظهر بطلان قول أولئك المرجفين لم يمنعهم حياؤهم من الصمت فحسب وليس الاعتراف بالخطأ بل تأخذ بعضهم العزة بالإثم فيزداد عناداً واستكباراً، وهذا عياذاً بالله تعالى ممن قيده هواه وشيطانه فأصبح أسيراً يُقاد ولا يقود ويُساق ولا يسوق، يتهم أهل البلد تارة وتارة يتهم علماءها وتارة يتهم بعض شبابها، ومع هذا كله لم يقف أولئك عند هذا الحد بل زادوا الطين بلَّة والماء تعكيراً فكانوا أسرع الناس عند حصول النوازل؛ أسرع الناس في بث الإشاعات وتهويل الناس والإرجاف في أوساطهم، فلم يتعظ هؤلاء بخطئهم، بل يرون في أنفسهم أنهم أحق الناس بالكلام في نتائج النوازل وأن الأصل كلامهم وتقريرهم واستنتاجهم فيا عجباً من أولئك القوم تناقض في القول وإصرار على الخطأ وعدم حياء من الناس ولكن بحمد الله تعالى فإن شباب الإسلام الذين بنوا التزامهم على منهج علمي موافق لهدي سلف الأمة هم أبعد الناس عن مثل هذه التناقضات، فكونوا شباب الإسلام حذرين من تلك التصرفات المشينة، وقولوا لأولئك المرجفين والمخذلين وأمثالهم:
وإن عادت العقرب عدنا لها *** وكانت النعل لها حاضرة
المعلم (38) لا يلزم ممن عُرف بمتابعته المستمرة لأحوال المسلمين أن يتولى إصدار الأحكام الشرعية:
شباب الإسلام: ومن المعالم في الفتن وهو يلتحق بما قبله، أن بعض الناس قد يؤتى قدرة في الاستقراء والتتبع والسبر والتقسيم لحال واقع المسلمين وما يُكَاد لهم من أعدائهم وعنده ملكة في التعبير بلسانه أو بنانه عن تحليل تلك الأخبار وبيانها مفصلة مرتبة. ولا شك ولا ريب أن هذا نوع من الموهبة والفطنة، ولو أن ذلك المستقرئ والمتتبع وقف عند هذا الحد لقضي الأمر، لكن المصيبة ها هنا أن ذلك الكاتب المحلل لواقع المسلمين وكيد عدوهم ينصب نفسه عالماً مفتياً فيقوم بإصدار الحلول الشرعية في زعمه مع أنه ليس له حظ من العلم الشرعي بل لم يعرف بمجالسة أهله فضلاً عن جهله بمقاصد الشريعة، وإذا كان ذلك كذلك فكيف يخوِّل لنفسه مقام القضاء والفتيا، فيا أسفا على شباب ذي همة عالية يجعلون مثل أولئك قدوة لهم في أحكامهم ويزداد الأسى والأسف والحسرة إذا عدوا أولئك من العلماء، وتبلغ المصيبة أوجها إذا همش العلماء الراسخون لأجل أولئك الكتبة.
شباب الإسلام: وإن مما يذكر فيشكر لبعض أصحاب الأقلام المستقرئة لأحوال الإسلام أنهم بعد رصد أحوال المسلمين، وبعد رصد مكائد أعدائهم، يقوم أولئك الكتبة بعرض ما كتبوا على علماء الشريعة الموثوقين، ويتلقون فتاواهم وتوجيهاتهم، ومن ثمَّ يجعلون تلك الفتاوى والتوجيهات حلولاً لما كتبوا، فبارك الله في أقلامهم، وأكثر في كتّاب المسلمين من أمثالهم.
شباب الإسلام: لو سلك بقية الكتّاب مسلك هؤلاء الكتبة لزال كثير من أسباب الخلاف والشقاق وصدق من قال، وما أحسن ما قال: (لو سكت من لا يعرف قل الاختلاف)، وأصدق منه وأحسن قول النبي صلى الله عليه وسلم: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت".
المعلم (39) الدعاء من أسباب كشف البلاء:
شباب الإسلام: ومن المعالم في الفتن الحرص على وصاية نفسه والناس بالتضرع والدعاء، فالدعاء والضراعة إلى الله تعالى من أسباب كشف الغمة وتفريج الكربة ولقد أرسلنا إلى" أمم من قبلك فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون(42) فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون ) { الأنعام: 42، 43}، وما أرسلنا في قرية من نبي إلا أخذنا أهلها بالبأساء والضراء لعلهم يضرعون ) { الأعراف: 94}، ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون ) { المؤمنون: 76}.
شباب الإسلام: في مواطن الفتن تشغل نفوس كثير من الناس بتتبع الأخبار والتعاطف مع إخوانهم ومتابعة أحوالهم، وهذا دليل على توثق عرى الأخوة الإسلامية لكن هم بحاجة إلى مضاعفة العون المادي والمعنوي لهم، ومما لا يعجز عنه أحد سلاح الدعاء والضراعة إلى الله بنصرهم وكبت عدوهم، فالله الله شباب الإسلام في المضاعفة من الدعاء بنوعيه دعاء المسألة ودعاء العبادة، فبعض الداعين يدعو بلسانه ولا يستشعر عظمة الدعاء وأثره بقلبه، وبعض الداعين يدعو بفتور وضعف لتعلقه بالأسباب المادية، وبعض الداعين يدعو وقد أَيَّس نفسه لقوة العدو وكثرة عتاده.
شباب الإسلام: إن مثل هذه الأحوال تدل على ضعف البصيرة وقلة العلم، فيا شباب الإسلام عظموا شأن الدعاء في نفوسكم ونفوس المسلمين، فكم من دعوة مظلومين مقهورين ضعفاء قد فرقت مجتمعين أقوياء، وكم من دعوة صادقة كشفت غماً وفرجت هماً.
قيل للإمام أحمد رحمه الله تعالى: يا إمام كم بيننا وبين عرش الرحمن؟ فقال رحمه الله تعالى: (دعوة صادقة من قلب عبد صادق) وصدق فيما قال رحمه الله تعالى فإذا صدق قلب العبد في مناجاته لربه فتح أبواب السماء لدعوته.