بسم الله الرحمن الرحيم
مِن رحمةِ الله - عز وجل -: أنه يشرحُ صدورَنا إلى الإيمانِ ويُوفِّقنا إلى الإحسانِ ويهدينا إلى أحسنِ الأعمالِ ويسهِّلُ لنا أداءها ويُذهب عنا ما يُفسدُها ويتفضل بقبولِها، ثم يَهَبُ لنا أجرَها بالحسنة الواحدةِ عشرَ حسنات إلى سبعمائة ضعف!
فقد روى ابنُ عباس - رضي الله عنهما - عن رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - فيما يرويه عن ربه- تبارك وتعالى -قال: (إنَّ الله كتبَ الحسناتِ والسيئات، ثم بيَّنَ ذلك، فمَن هَمَّ بحسنةٍ فلم يعملْها؛ كتبَها الله له حَسنةً كاملةً، وإن هَمَّ بها فعَمِلَها؛ كتبَها الله عندَه عشرَ حسنات، إلى سبعِمائة ضعفٍ إلى أضعافٍ كثيرة. وإن هَمَّ بسيئة فلم يعمَلْها؛ كتبَها الله عنده حسنةً كاملةً، وإن هَمَّ بها فعمِلَها؛ كتبَها الله سيئةً واحِدة). [1]
قال النووي - رحمه الله -: "فانظرْ يا أخي ـ وفَّقَنا الله وإياك ـ إلى عظيم لُطفِ الله تعالى؛ وتأمَّلْ هذه الألفاظ! وقوله: (عنده) إشارة إلى الاعتناء بها، وقوله: (كاملة) للتأكيد وشدَّة الاعتناء بها، وقال في السيئة التي هم بها ثم تركها: كتبها الله عنده حسنةً كاملةً[2] وإن عملها كتبها واحدة؛ فأكَّدَ تقبًّلَها بواحدةٍ ولم يؤكدها بكاملة؛ فلله الحمدُ والمنةُ - سبحانه - لا نُحصي ثناءً عليه)! [3]
ولكنَّ العبدَ قد يَقرأ بعضَ الآياتِ في كتابِ الله؛ فيتوهَّم أنَّ الفضلَ له ولِعَملِه! وينسى فضلَ الله عليه؛ ولذلك نَبَّهَ العُلَماءُ على فَضلَ الله - عز وجل - في الآياتِ التي يُثبِتُ الله فيها لعبادِه جزاءَ أعمالِهم؛ كما في قولِ الله - تعالى -: (كُلُوا واشرَبُوا هنيئاُ بِما أسْلَفْتم في الأيامِ الخالية)، [4] فقد قال ابنُ كثير - رحمه الله -: "يقال لهم ذلك؛ تفضُّلا عليهم وامتِناناً وإنْعاماً وإحْساناً؛ وإلا فقد ثَبَتَ في الصحيحِ عن رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (اعمَلُوا وسَدِّدُوا وقارِبُوا، واعلموا أنَّ أحداً منكم لن يُدخِلَه عملُه الجنة قالوا ولا أنت يا رسولَ الله؟ قال: ولا أنا؛ إلا أن يتغمَّدَني الله برحمةٍ منه وفَضل)". [5]
وقال القرطبي - رحمه الله -: "معنَى (أُورِثْتُمُوها بما كُنتم تعمَلُون): أي وَرِثْتُم مَنازِلَها بِعَمَلِكم، ودُخُولُكم إياها برحمةِ الله وفَضلِه، كما قال: (ذلك الفضلُ مِن الله)، [6] وقال: (فسَيُدْخِلُه في رحمةٍ منه وفَضل)، [7] وفي صحيح مسلم: (لن يدخلَ أحداً منكم عَمَلُه الجنة، قالوا: ولا أنتَ يا رسولَ الله؟ قال: ولا أنا إلا أنْ يَتَغَمَّدَنِيَ الله بِرَحْمةٍ منه وفَضْلٍ) وفي غيرِ الصحيح: (ليس مِن كافِرٍ ولا مُؤمِنٍ إلا وله في الجنةِ والنارِ مَنْزِلٌ، فإذا دخلَ أهلُ الجنةِ الجنةَ وأهلُ النارِ النارَ؛ رفعت الجنة لأهلِ النارِ فنظروا إلى مَنازلِهم فيها، فقيل لهم: هذه مَنازلُكم لو عَمِلْتُم بطاعةِ الله، ثم يقال: يا أهلَ الجنة رثوهم بما كنتم تعملون؛ فتقسم بين أهلِ الجنة مَنازِلَهم. قلت: وفي صحيح مسلم: (لا يموت رجلٌ مُسلمٌ إلا أدخلَ الله مكانَه في النارِ يهودياً أو نصرانياً) فهذا أيضاً ميراث؛ نَعَّمَ بِفَضلِه مَن شاء، وعَذَّبَ بِعَدلِه مَن شاء، وبالجملة فالجنةُ ومَنازِلُها لا تُنالُ إلا بِرحمتِه؛ فإذا دخَلُوها بأعْمالِهم؛ فقد وَرِثُوها بِرَحْمَتِه ودخَلُوها بِرَحْمَتِه؛ إذْ أعْمالُهم رحمةٌ منه لهم وتفضُّلٌ عليهم". [8]
وقال ابن كثير - رحمه الله -: "روى النسائي وابن مردويه واللفظ له من حديث أبي بكر بن عياش عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة – رضي الله عنه - قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: (كلُّ أهلِ الجنةِ يَرى مقعدَه من النارِ، فيقول: لولا أنَّ الله هداني؛ فيكون له شاكراً، وكل أهل النار يرى مقعدَه من الجنة، فيقول: لو أنَّ الله هداني فيكون له حسرة؛ ولهذا لما أورثوا مقاعدَ أهلِ النار من الجنة (ونُودُوا أنْ تلكم الجنةُ أورِثْتُموها بما كنتم تعملون): أي بسبب أعمالكم نالَتْكم الرحمة؛ فدخَلْتُم الجنةَ وتبوأتُمْ مَنازلَكم بحسبِ أعمالكم. وإنما وَجَبَ الحملُ على هذا؛ لِما ثَبتَ في الصحيحين عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (واعلَمُوا أنَّ أحدَكم لن يُدْخِلَه عَملُه الجنةَ! قالوا: ولا أنتَ يا رسولَ الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمَّدَني الله برحمةٍ منه وفَضلٍ)". [9]
وقال ابنُ رجب - رحمه الله -: "قد أخبرَ الله - تعالى -عن أهلِ الجنة أنهم يحمدون الله على ما رزقَهم مِن فضلِه، فقال: (ونزَعْنا ما في صُدورِهم مِن غِلٍّ تجري من تحتِهم الأنهارُ وقالوا الحمدُ لله الذي هَدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أنْ هدانا الله)، [10] وقال - تعالى -: (وقالوا الحمدُ لله الذي صَدَقَنا وَعْدَه وأورَثَنا الأرضَ نتبوأ مِن الجنة حيثُ نشاء)، [11] وقال - تعالى -: (وقالوا الحمدُ لله الذي أذهَبَ عنا الحزَنَ إنَّ ربَّنا لَغَفورٌ شَكُور الذي أحَلَّنا دارَ المقامةِ مِن فَضلِه لا يَمَسُّنا فيها نَصَبٌ ولا يَمَسُّنا فيها لُغُوب)[12]". [13]
وقال ابن كثير - رحمه الله - في تفسير هذه الآية: "يقولون: الذي أعطانا هذه المنزلة وهذا المقام من فضلِه ومَنِّه ورَحْمتِه؛ لم تكن أعمالُنا تساوي ذلك". [14]
-----
[1] رواه البخاري في كتاب الرقاق 5/2380، باب (من هَمَّ بحسنة أو بسيئة)، حديث 6126. ورواه مسلم 1/118، باب (إذا هَمَّ العبدُ بحسنةٍ؛ كتبت، وإذا هَمَّ بسيئة لم تكتب)، حديث 131.
[2] قال ابن حجر - رحمه الله -: "فأما العِنديةُ فإشارة إلى الشرف، وأما الكمال فإشارة إلى رفعِ توهُّمِ نقصِها؛ لِكَوْنِها نشأتْ عن الهمِّ المجرَّدِ فكأنه قيل: بل هي كاملة لا نقص فيها". فتح الباري 11/325.
[3] الأربعون النووية وجامع العلوم والحكم لابن رجب ص 348.
[4] الحاقة 24.
[5] تفسير القرآن العظيم 4/416.
[6] النساء 70.
[7] النساء 175.
[8] الجامع لأحكام القرآن 7/208-209.
[9] تفسير القرآن العظيم 2/216.
[10] الأعراف 43.
[11] الزمر 74.
[12] فاطر 34-35.
[13] جامع العلوم والحكم ص 232.
[14] تفسير القرآن العظيم 3/558-559.