بسم الله الرحمن الرحيم
 الصفحة الرئيسية | المقالات و البحوث | المكتبة ( للتحميل ) | الصوتيات | مركز الفتاوى | التلاوات القرآنية | أرسل بحثك | توقيع الزوار | كلمة الموقع 
اخر المقالات هل يجوز قول قبح الله وجهك للكافر         أمه ستغضب إن لم يحتفل بعيد الأم فماذا يفعل ؟؟         هل يخص علي بن أبي طالب بـ كرم الله وجهه ؟؟         كسوة الكعبة.. تاريخ وتشريف         مصطفى لطفي المنفلوطي         السؤال والجواب عن جامعة الملك عبد الله الوارد في مقابلة الشيخ سعد الشثري في قناة المجد كاملة         تفسير آيات - 1         شرح نخبة الفكر - الدرس الأول         شرح الأربعين النووية - الدرس الأول         شرح عقيدة أهل السنة والجماعة لابن عثيمين -الدرس الأول         فتوى الشيخ محمد بن إبراهيم في حكم الاختلاط         هل يجوز ترك العمل اثناء الصلاه ??         هل تعتبر زوجة عمى او زوجة خالى من محارمى ؟؟         هل يجب عليها بيع الذهب من اجل زكاتة؟         أسئلة بشأن تقليم الأظافر وفق السنه المطهره .         بلوغ غاية الأماني في الرد على مفتاح التجاني         التصوف من صور الجاهلية         هل كان إسلام الصحابة والتابعين صحيحا........بدون أن يتصوفوا؟؟         بدعة رجب للمنجد         بدعة المولد .. الالباني    
المؤسس و المشرف :
      سعد بن زيد آل محمود
قائمة أخر المقالات إضافة
  عيد الحب أم إغضاب الرب!!
  نسب أسرة آل محمود
  إستجمام
  هجمة مرتدة
  ما هذه الفوضى
قائمة أخر الكتب إضافة
  بلوغ غاية الأماني في الرد على مفتاح التجاني
  الهدية الهادية إلى الطائفة التجانيةللعلامة تقي ا...
  صوفيات خطاب مفتوح إلى حضرة السماحة شيخ مشايخ الط...
  بدعة رجب للمنجد
  بدعة الاحتفال بالمولد النبوي .. من كتاب البدع ال...
قائمة أخر الصوتيات إضافة
  وماذا بعد الحج
  حصاد الإجازة الصيفية
  الحج فضائل وأحكام
  وصايا للمسلمين عند النوازل والمحن
  غزوة أحد دروس وعبر
قائمة أخر الفتاوى إضافة
  حول إباحة الصوم في أيام التشريق للمتمتع والقارن مع...
  كيفية تطهير الأشياء المتنجسة
  إذا ترك التماس هلال شهر رمضان ، ثم قامت البينة في ...
  تطهير الماء النجس
  حول إباحة الصوم في أيام التشريق للمتمتع والقارن مع...
تحويل التاريخ
راسلنا
توقيع الزوار
فقه الولاء والبراء في ضوء الحرب

محمد عمر دولة
أضيفت بتاريخ:   2007-11-26
التصدير إلى ورد نسخة طباعة القراء:   95
تنسيق الخط

بسم الله الرحمن الرحيم



الحمد لله الكبير المتعال القائل في كتابه العزيز: ((ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين * إنهم لهم المنصورون * وإنّ جندنا لهم الغالبون))[سورة الصافات: 171-173]، والقائل - جل جلاله -: ((وكان حقاً علينا نصر المؤمنين))[سورة الروم: 47]، والصلاة والسلام على إمام المجاهدين، وسيّد المرسلين، القائل: (لا تزال طائفة من أمتي قائمة على الحق لا يضرُّهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون على الناس)[رواه أحمد والشيخان]، وبعد:

فهذه أيامٌ مِن أيامِ الله، أيامٌ نلمس فيها فتناً وحروباً ودماءً، ولكننا نلمح فيها بشائر عزٍّ للإسلام، وضياءٍ للحقِّ، وتوكّلٍ على الله، ونستشرف يقظةً للأمة وجهاداً وبلاءً، فهي أيامٌ فاصلة، كما كانت بدر فارقةً بين استضعاف الكُفَّار للمسلمين، وانتصار أهل الإسلام على من ظلمهم وعاداهم من الكافرين((يوم الفرقان يوم التقى الجمعان))[سورة الأنفال: 41]، وهذا وعد الله الذي لا يتخلّف، وسنته التي لا تتبدّل ((يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقاناً ويكفِّر عنكم سيئاتكم ويغفر لكم والله ذو الفضل العظيم))[سورة الأنفال: 29].




أولاً: واقع الأمة الإسلامية:



إنّ لهذه الأيام وشيجةً تصلها بسنن الله الماضية في الأمم السالفة، ولها - بإذن الله - بشائر في نهضة هذه الأمة القاهرة للملل الكافرة، فقد تحوّلت هموم الشباب المسلم إلى العلم والدعوة والجهاد، فتحلّقوا حول علماء الأمة، الذين حاول الأعداء طمسَ دورهم في تربية المسلمين وتزكيتهم ((والله غالب على أمره ولكنّ أكثر الناس لا يعلمون))[سور يوسف: 21].

فقد فشلت خطط الظالمين في تجفيف ينابيع التدّين الموجَّهة إلى مناهج التعليم ووسائل الإعلام لإفساد شباب الأمة، وإشغالهم بسفاسف الأمور، والتحم علماء الأمة الأبرار - والرائد لا يكذب أهله - بشبابها الأخيار



شبابٌ لم تحطِّمه الليـالي*** ولم يُسْلم إلى الخصمِ العرينا



على الرغم من الحملات الضارية من الغزو الثقافي، والترسانة الضاربة مِن التدخُّل الاستعماري عند سقوط الخلافة الإسلامية، فقد كان أعداء الأمة يطمعون أن لا تقوم للإسلام قائمة بعد ما قضوا على الخلافة الجامعة للمسلمين، واستعاضوا عنها بسياسة تابعةٍ لهم، نابعةٍ من المنظومة الفكرية الاستعمارية (والمغلوب مُولع بتقليد الغالب) كما قال ابن خلدون، وقد تمثّل ذلك في الدساتير العلمانية للدول الإسلامية، والأحكام الوضعية المناقضة لهوية الأمة وشريعتها الربّانية.

ولا شكَّ أنّ نجاح الأعداء ـ على مدى عقود من القرن الماضي - في إفراغ العالم الإسلامي من كلّ نَبْض إسلامي حقيقي راجعٌ إلى إبعاد الإسلام - كنظام سياسي واقتصادي واجتماعي - من حياة المسلمين؛ ليصبح الدين مجرّد شعائر قاصرة في ظل الشريعة الغائبة، فإنّ أمة الإسلام لا تحيا إلا بشرائعها وشعائرها معاً (وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب)[رواه البخاري]؛ فإنه يقود الحياة كلَّها بقيم الإسلام ومبادئه وأخلاقه في السياسة والاقتصاد والاجتماع والتربية والإعلام، ((قل إنّ صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له))[سورة الأنعام: 162]، ((قل أغير الله أبغي رباً وهو ربُّ كل شيء))[سورة الأنعام: 164] ((ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير))[سورة الملك: 14]، وقد كان طبيعياً - بعد غياب الإسلام بأنظمته الشرعية وهويّته الحضارية - أن تضعف مكانة الأمة، وتضمحلّ شعاراتها، وتتساقط راياتها، فتستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير!! بالرايات العميّة والقوانين الوضعية، والأنظمة الجاهلية قومية كانت أو علمانية أو إلحادية!!

ولا شكّ أنّ الأعداء قد أوشكوا أن يصيبوا الأمة في مقتل يوم أن أوهنوا في قلوب المسلمين عقيدة الولاء والبراء، حتى كاد المسلم والكافر أن يكونا في رأيهم سواءً، بل ملأ الرويبضات عقيدة الأمة الإسلامية - في التعليم والإعلام وغير ذلك - بالضآلة النفسية تجاه القوة المادية الغربية، وأشعروهم بالضّحالة الفكرية للمسلين في مقاومة نظريات الكافرين والعلمانيين، فأولئك هم المسؤولون عن هزائم المسلمين في حروبهم الخاسرة؛ لأنّ فيهم (قابلية الاستعمار) بتعبير مالك بن نبي، وروح الهزيمة والصّغار، فهم عوامل النكسة العربية، ومعاول الهدم في صرح الحضارة الإسلامية؛ لأنهم يعيشون اغتراباً عن الأمة، وانحيازاً إلى أعداء الملة فهم بتعبير بعض المؤلِّفين بمثابة (جُزُر في أوطانهم)، وما ظنّك بعامة العلمانيين؟ إذا كان عميد الأدب العربي [كما سمّاه المستغربون، وإلاّ ففي أترابه من هو خيرٌ منه فكراً وأسلوباً، منهم أديب الإسلام مصطفى صادق الرافعي - رحمه الله - والأمر كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (إن بين يدي الساعة سنين خدّاعة، يُتّهم فيها الأمين، ويُؤتمن الخائن، ويُصدّق فيها الكاذب، ويُكذّب فيها الصادق ) رواه الطبراني، والحاكم في الكُنى، وابن عساكر، كما في كنز العمّال: 38511.] طه حسين - رمز الثقافة المنبتّة عن الأمة - ينادي بأعلى صوته: "لو أننا هممنا الآن أن نعود أدراجنا، وأن نحيي النظم العتيقة لما وجدنا إلى ذلك سبيلاً، ولوجدنا أمامنا عِقاباً لا تُجاز ولا تذلّل، عقاباً نُقيمها نحن، وعِقاباً تُقيمها أوروبا؛ لأننا عاهدناها أن نسايرها ونجاريها في طريق الحضارة)![مستقبل الثقافة في مصر الجزء الأول: 36-37] فقد حاز سبع هزائم:



الأولى: أنه لا يقدر أن يحيي نُظُم الإسلام ((ومن يُهِنِ الله فما له من مكرم))!![سورة الحج: 18].

الثانية: أنه يراها عتيقةً ما عادت صالحة للذين يُبدّلون ويغيّرون ويلبسون لكل مناسبة لَبوساً!!

الثالثة: أنه لا يقدر أن يَهِمَّ بذلك مجرّد الهمِّ، وكفى بذلك همّاً وغمّاً!!

الرابعة: أنه يعترف بتبعيّته، ولا يستنكف من عبوديته للغرب!!

الخامسة: أنه يَرعى عهده مع أوربا ولا يراعي عهده مع الله في إحياء النظم العتيقة!!

السادسة: أنه يخشى أوربا؛ لأنها وضعت أمامه عِقاباً لا تُجاز ولا تُذلّل!!

السابعة: - وهي عار الدهر! - أنه ذلّل نفسه لخدمة أوربا، وأذلّها لعز الكافرين! وذلك ظاهر في قوله "عِقاباً نُقيمها نحن" فاستعماره عميق في داخله، واستلابه عتيق يملأ عليه أرجاء فؤاده!



فالحقيقة ـ التي لا يُمارِي فيها عاقلٌ منصف ـ أنّ الذين ضيّعوا الحضارة الإسلامية وعطّلوا نهضة الأمة هم العلمانيّون الذين أحسن وصفهم العلامة أحمد شاكر، فالواحد منهم قد " استولى المبشرون على عقله وقلبه، فلا يرى إلا بأعينهم، ولا يسمع إلا بآذانهم، ولا يهتدي إلا بهديهم، ولا ينظر إلا على ضوء نارهم يحسبها نوراً، ثم هو قد سمّاه أبواه باسم إسلامي، وقد عُدّ من المسلمين - أو عليهم - في دفاتر المواليد، وفي سجلات الإحصاء، فيأبى إلا أن يدافع عن هذا الإسلام الذي أُلبِسَه جنسيةً، ولم يعتقده ديناً، فتراه يتأوّل القرآنَ ليُخضعه لما تعلّم من أُستاذيه، ولا يرضى من الأحاديث حديثاً يخالف آراءهم وقواعدهم، يخشى أن تكون حجتهم على الإسلام قائمة!!"[حراسة الفضيلة للشيخ بكر أبو زيد: 160]، وما أصدق ما وصفهم به الأديب الكبير كامل كيلاني بـ (المجدِّدينات)، مبيّناً أنّ هذا (جمع مخنث سالم!)[المرجع السابق]، وصدق الله العظيم القائل:((ولا تكونوا من المشركين * من الذين فرّقوا دينهم وكانوا شيعاً كل حزب بما لديهم فرحون))[سورة الروم: 31-32].

فوالله ما ضيّع فلسطينَ - بعد أن فتحها عمر - رضي الله عنه - وحرّرها صلاح الدين - إلا هؤلاء العلمانيون، وما أسَرَ اليهود فلسطين الغراء من أيدينا إلا بسبب ضعف الولاء والبراء في قلوبنا - نسأل الله أن يردّنا إلى رشدنا -.




ثانياً: مكانة الولاء والبراء في القرآن الكريم:



إنّ دارس الكتاب العزيز يرى أنّ الآيات الشريفة المتعلّقة بهذا الموضوع كثيرة جداً، بحيث يتبيّن لكل عاقل عظمة هذه القاعدة في دين الله، فليس الولاء والبراء قضيةً فرعية، أو من باب الآداب أو فضائل الأعمال، أو المسائل الخلافية التي يعذر فيها بعضنا بعضاً، ولكنه ركنٌ من أركان العقيدة، وأساسٌ من أُسُس الإيمان، وقاعدةٌ من قواعد الإسلام، من تركها فقد ترك الدين، ومن أخذ بها فقد هُدي إلى صراطٍ مستقيم.



[1] فقد فرض الله على المسلمين أن يتولى بعضهم بعضاً، وأن ينصر بعضهم بعضاً ((إنما المؤمنون إخوة)) [سورة الحجرات: 10]، ((إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون * ومن يتولّ الله ورسوله والذين آمنوا فإنّ حزب الله هم الغالبون)) [سورة المائدة: 55]، قال الحافظ ابن كثير: "هذه الآيات كلها نزلت في عبادة بن الصامت - رضي الله عنه - حين تبرأ من حلف اليهود، ورضي بولاية الله ورسوله والمؤمنين؛ ولهذا قال - تعالى -:((كتب الله لأغلبنّ أنا ورسلي إنّ الله قوي عزيز * لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادّون من حادّ الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيّدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إنّ حزب الله هم المفلحون))[سورة المجادلة: 21-22]، فكل من رضي بولاية الله ورسوله والمؤمنين فهو مفلحٌ في الدنيا والآخرة، ومنصورٌ في الدنيا والآخرة؛ ولهذا قال - تعالى - في الآية الكريمة: ((ومن يتـولّ الله ورسـوله والذين آمنوا فإنّ حزب الله هم الغـالبون))"[تفسير القرآن العظيم: 2/105].



وقال - سبحانه وتعالى -: ((إنّ الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض))[سورة الأنفال: 72]، قال ابن كثير - رحمه الله -:"أي كل منهم أحقُّ بالآخر من كل أحد؛ ولهذا آخى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين المهاجرين والأنصار، كلُّ اثنين أخَوَانِ"[تفسير القرآن العظيم: 2/433].

[2] حسم القرآن مسألة انتساب اليهود والنصارى إلى موسى وعيسى - عليهما السلام -؛ لئلا يغترَّ المسلمون بكون أولئك من (أهل الكتاب)؛ فبيّن - عز وجل - كفر اليهود والنصارى وتحريفهم الكتب السماوية، وبراءة أنبياء الله منهم ((لقد كفر الذين قالوا إنّ الله ثالث ثلاثة))[سورة المائدة: 73]، ((وقالت اليهود عزيرٌ ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنّى يؤفكون))[سورة التوبة: 31]، وأظهر الله - تعالى - كذبهم في دعوى النسبة الإبراهيمية، فقال جل جلاله: ((ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً ولكن كان حنيفاً مسلماً وما كان من المشركين))[سورة آل عمران: 67]، ((وقالوا كونوا هوداً أو نصارى تهتدوا قل بل ملة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين))[سورة البقرة: 135]، كما صرَّح - عز وجل - بأن الإسلام ناسخٌ لما قبله من الأديان؛ فلا يقبل الله ديناً سواه ((إنّ الدين عند الله الإسلام))[سورة آل عمران: 19]، ((ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين))[سورة آل عمران: 85]، وهذا - لعمري - ركنٌ عظيم من قاعدة الولاء والبراء؛ لأنه تحريرٌ للمفاهيم الشرعية من تلبيس العلمانيين، ودفعٌ لشبهات المنافقين الذين يريدون نقض عُرى الإسلام، وإرضاءَ الكافرين بالدعوة إلى الإبراهيمية ووحدة الأديان ((إنّ أولى الناس بإبراهيم لَلَّذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين))[آل عمران: 68].

[3] نهى القرآن عن اتخاذ الكافرين أولياء؛ لأنهم أعداء الله ورسوله والمؤمنين، فقال - عز وجل -: ((لا يتخذِ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء))[سورة آل عمران: 28]، قال ابن جرير:"قد برئ من الله وبرئ الله منه؛ لارتداده عن دينه ودخوله في الكفر"، وقال ابن كثير:"نهى - تبارك وتعالى- عباده المؤمنين أن يوالوا الكافرين، وأن يتّخذوهم أولياء يُسِرّون إليهم بالمودة من دون المؤمنين، ثم توعّد على ذلك فقال - تعالى -: ((ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيءٍ)) أي: ومن يرتكب نهي الله في هذا فقد برئ من الله كما قال - تعالى-: ((يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوّي وعدوّكم أولياء تُلقون إليهم بالمودة)) إلى أن قال: ((ومن يفعله منكم فقد ضلَّ سواء السبيل))[سورة الممتحنة: 1] وقال - تعالى -: ((يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطاناً مبيناً))"[تفسير القرآن العظيم: 1/466]، وليت شعري ما عذر المسلمين عند الله في موالاة الكافرين الذين وصفهم رب العالمين بأنهم: ((لا يرقُبون في مؤمنٍ إلاًّ ولا ذمّةً وأولئك هم المعتدون))؟![سورة التوبة: 10].

[4] حَكَم الله - جل جلاله - بالكفر على من والى الكافرين وظاهرهم على المسلمين، فقال - تبارك وتعالى-: ((يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إنّ الله لا يهدي القوم الظالمين))[سورة المائدة: 51]، قال ابن جرير:"ومن تولاّهم ونصرهم على المؤمنين فهو من أهل دينهم وملّتهم؛ فإنه لا يتولى متولٍ أحداً إلا وهو به - وبدينه وما هو عليه - راضٍ، وإذا رضيه ورضيَ دينه فقد عادى ما خالفه وسَخَطَه وصار حكمُه حكمَه"، قال - عز وجل -: ((ترى كثيراً منهم يتولون الذين كفروا لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون * ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أُنزل إليه ما اتخذوهم أولياء ولكنّ كثيراً منهم فاسقون))[سورة المائدة: 80-81]، وقال - تبارك وتعالى -: ((بشّر المنافقين بأنّ لهم عذاباً أليماً * الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين أيبتغون عندهم العزة فإنّ العزة لله جميعاً ))[سورة النساء: 138-139]، وقال - عز وجل -: ((يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقاً من أهل الكتاب يرُدّوكم بعد إيمانكم كافرين))[سورة آل عمران: 100]، وهذا من صميم الولاء والبراء يشهد لذلك قوله - تعالى -: ((يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا يردّوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين * بل الله مولاكم وهو خير الناصرين))[سورة آل عمران: 149-150].

[5] أبان الله - تعالى - مقدار العداوة التي يُكنّها الكفّار للمسلمين، والتي لا يمكن أن تخالطها محبّة؛ لأنها عداوة في الدين، كما قال الشاعر:



كلُّ العداوات قد تُرجى مودتها*** إلا عداوةَ من عاداك في الدينِ



وأوضح - تبارك وتعالى - لعباده المسلمين أنّ الكفار لن يرضوا عنهم حتى يفارقوا دينهم الحق، ويكونوا أتباعاً للدين الباطل فقال - سبحانه -: ((ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتّبع ملتهم))[سورة البقرة: 120]، وقال - عزّ وجلّ -: ((ودّوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواءً))[سورة النساء: 89]، وقال جلّ جلاله: ((ودّ كثير من أهل الكتاب لو يرُدّونكم من بعد إيمانكم كفّاراً حسداً من عند أنفسهم من بعد ما تبيَّن لهم الحقّ))[سورة البقرة: 109]، ومن ثَمّ جاءت الآيات تفضح الذين يُلقون إليهم بالمودة، والذين يسارعون فيهم، والذين يخشونهم، والذين يبتغون عندهم العزّة؛ لتنـزع هذه الآيات من قلوب المسلمين تلكم العواطف الكاذبة، والصداقات الباطلة ((يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانةً من دونكم لا يألونكم خبالاً ودّوا ما عنتُّم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تُخفي صدورهم أكبر قد بيّنا لكم الآيات إن كنتم تعقلون * ها أنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم وتؤمنون بالكتاب كلِّه وإذا لقوكم قالوا آمنّا وإذا خلوا عضّوا عليكم الأنامل من الغيظ قل موتوا بغيظكم إنّ الله عليم بذات الصدور))[سورة آل عمران: 118- 119].

فيتبين مما سبق أنّ هذا الأمر عظيمٌ وجليل، أمر إيمانٍ وكفر، كما قال ابن كثير في تفسير قول الله - تعالى-: ((إلاّ تفعلوه تكن فتنةٌ في الأرض وفسادٌ كبير))[سورة الأنفال: 73]، "أي: إن لم تجانبوا المشركين وتوالوا المؤمنين، وإلاّ وقعت فتنةٌ في الناس وهو التباس الأمر واختلاط المؤمنين بالكافرين؛ فيقع بين الناس فسادٌ منتشرٌ عريضٌ طويل"[تفسير القرآن العظيم: 2/435].

فينبغي على المسلم أن يحتاط لدينه، وأن يراجع أمره، وأن يُخلص الولاء للمسلمين والبراء من المشركين، وصدق الله العظيم: ((قد كانت لكم أسوةٌ حسنةٌ في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنّا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبداً حتى تؤمنوا بالله وحده))[سورة الممتحنة].


ثالثاً: مكانة الولاء والبراء في السنة النبوية:

لقد جاءت نصوص السنة واضحةً جليَّةً في عقيدة الولاء والبراء، ويمكن بيان الهدْي النبويِّ في المعالم التالية:

[1] حدّد النبي - صلى الله عليه وسلم - الأُخوّة في الدّين رابطاً بين المسلمين كما جاء في صحيح مسلم: (المسلم أخو المسلم)، وجاء في الصحيحين: (كونوا عباد الله إخواناً).

[2] رتّب النبي - صلى الله عليه وسلم - على ذلك وجوب المحبّة والنصرة والتأييد بحيث (لا يُسلمه ولا يظلمه) (ولا يخذله) كما في حديث الصحيحين، وجاء في أحمد والترمذي: (والذي نفسي بيده لا تؤمنوا حتّى تحابّوا)، وفي الصحيحين: (لا يؤمن أحدكم حتى يحبُّ لأخيه ما يحبُّ لنفسه)، وورد في أبي داود: (المسلمون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمّتهم أدناهم، ويُجير عليهم أقصاهم، وهم يدٌ على مَن سواهم)، و(المؤمن أخو المؤمن يكفّ عنه ضيعته، ويحوطه من ورائه)، وفي مسلم: (المسلمون كرجل واحد إذا اشتكى رأسه اشتكى كلّه، وإذا اشتكى عينه اشتكى كلّه)، وفي الصحيحين:(المؤمن للمؤمن كالبنيان يشدُّ بعضه بعضاً)، قال الحافظ ابن رجب: "إنّ الأخ من شأنه أن يوصل لأخيه النفع، ويكفّ عنه الضر، ومن أعظم الضرر الذي يجب كفّه عن الأخ المسلم: الظلم"[جامع العلوم والحكم: 441]، وقال يحيى بن معاذ الرازي: "ليكن حظّ المؤمن منك ثلاثة:

إن لم تنفعه فلا تضرّه، وإن لم تُفرحه فلا تَغُمّه، وإن لم تمدحه فلا تذمّه"[المرجع السابق: 446].

[3] قرّر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن الولاء والبراء من العقائد التي لا يصح إسلام العبد إلا بها، ومن أعظم الشواهد على صدق الإيمان كما قال - صلى الله عليه وسلم -: (أوثق عُرى الإيمان: الموالاة في الله، والمعاداة في الله، والحب في الله، والبغض في الله)[رواه أحمد].

وكفى بذلك دليلاً على خطورة هذا الأمر وضرورة أن يعالج المسلم ما يعتريه في ذلك من خللٍ، ويهتدي بهدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ((لقد كان لكم في رسول الله أسوةٌ حسنةٌ لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً))[سورة الأحزاب: 21].


رابعاً: مظاهر الولاء للكفار في زماننا:[أفاد ذلك الشيخ: عبد الحي يوسف في دروس تفسير آيات الأحكام في رمضان 1421هـ، وذلك بتصرف يسير].

[1] الرضا بكفر الكافرين، وعدم تكفيرهم [وقد أفتى علماء الإسلام في لجنة الفتوى والبحوث بجامعة القرآن الكريم بكفر من قال بإيمان اليهود والنصارى]، أو الشك في كفرهم، أو تصحيح أي مذهب من مذاهبهم الباطلة، أو السماح لهم بترويج كفرهم والدعوة إليه ونشره بين المسلمين، ويدخل في ذلك ما يسمّى بمؤتمرات حوار الأديان التي تهدف إلى إزالة الفوارق بين الإسلام والديانات المحرّفة، وتجاوز الخلاف العقدي بين المسلمين وغيرهم.

[2] التولِّي العام، واتخاذهم أعواناً وأنصاراً، ومداهنتهم على حساب الدين قال - تعالى -: ((ودّوا لو تُدهن فيُدهنون))[سورة القلم: 9]، ومن ذلك مشاركتهم في أعيادهم أو تهنئتهم بها، قال - تعالى -: ((والذين لا يشهدون الزور))[سورة الفرقان: 72] أي أعياد المشركين، ومنه أيضاً زيارة الكنائس والمعابد الشركيَّة التي يُسبُّ فيها الله - تعالى - ويُكفَر به.

[3] طاعتهم فيما يشيرون به وتوليتهم أمور المسلمين مع أنّ التولية شقيقة الولاية، لذلك كانت توليتهم المناصب نوعاً من توليهم، وقد حكم الله أنَّ من تولاهم فإنه منهم قال الإمام ابن حزم: "صحّ أنّ قول الله - تعالى -: ((ومن يتولّهم منكم فإنه منهم)) إنما هو على ظاهره فإنه كافرٌ من جملة الكفار، وهذا حقٌّ لا يختلف فيه اثنان من جملة المسلمين"، أخرج الإمام أحمد عن أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه - قال:"قلت لعمر - رضي الله عنه -: لي كاتب نصراني! قال: مالك قاتلك الله! أما سمعت قول الله - تعالى -: ((يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء))[سورة المائدة: 51]، ألا اتخذت حنيفاً - مسلماً -. قلت: يا أمير المؤمنين! لي كتابته وله دينه، قال: لا أُكرمهم إذ أهانهم الله، ولا أُعزّهم إذ أذلّهم الله، ولا أُدنيهم وقد أقصاهم الله"، وأقرب مثال على عاقبة ذلك ما حدث بنيجيريا ((فاعتبروا يا أولي الأبصار))[سورة الحشر: 2].

[4] تعظيمهم وإطلاق الألقاب عليهم، وقد نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يُقال للمنافق: يا سيّد [رواه أبو داود بإسناد صحيح، كما في رياض الصالحين بتخريج الألباني]، والكافر من باب أولى، ونهى أيضاً عن ابتداء الكافرين بالسلام، قال - صلى الله عليه وسلم -: (لا تبدؤوا اليهود ولا النصارى بالسلام)[رواه مسلم].

[5] التآمر معهم، وتنفيذ مخططاتهم، والدخول في أحلافهم وأحزابهم وتنظيماتهم، والتجسس من أجلهم، ونقل عورات المسلمين وأسرارهم إليهم، والقتال في صفهم.


خامساً: شواهد تاريخية على خطورة الغفلة عن الولاء والبراء:

لقد أقام الله الحجة على المسلمين بتنبيههم إلى ضرورة أخذ الاحتياط من الكفّار المعتدين، فقد أمر المسلمين أن لا يركنوا إلى الظالمين فإنهم لا أيْمان لهم ولا إيمان، ومنع مجالسة الخائضين في دين الله بالاستهزاء، وذلك دأْب الكافرين والمنافقين، وأبان - سبحانه - حقيقةً في منتهى الأهمية وغاية الخطورة وهي أن الكفر شرٌّ مستطير، وشأن الباطل الاعتداء كما قال رب العالمين: ((والكافرون هم الظالمون))[سورة البقرة: 254]، وشرع - تعالى - من الأحكام ما يذكّرهم بذلك كما في صلاة الخوف، وأوجب أخذ الحذر والاحتياط من مهاجمة الكفّار لهم ((هم العدوّ فاحذرهم))[سورة المنافقون: 4]، ((يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم))[سورة النساء: 71]، ((ودّ الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلةً واحدة))[سورة النساء: 102].

وهذا كلّه يقوّي في نفس المسلمين البراء من المشركين، ويجعلهم مستعدّين لمقارعتهم في كلّ حين، أما الغفلة عن ذلك فمن أكبر المصائب، إذ تؤدي إلى أن تحلّ بأهل الإسلام أعظم النوائب.

ولنضرب على ذلك مثلين:

[1] الغفلة عن الخطر المغولي المهدد للأمة:

فقد قصّر المسلمون في القرن السابع الهجري في الإعداد للجهاد في سبيل الله، والتأهُّب لحماية الأمّة من خطر التتار الدّاهم، لاسيما بعدما رأوْا جرائم المغول ضدّ كلّ الملل، حتى لُقِّب هولاكو بـ (مبيد الأمم)، ولكن كلّما ضَعُفت في المسلمين روح الولاء والبراء، وشغلتهم الدنيا، وفرّقتهم الأهواء؛ تسلّط عليهم الأعداء، وما شأن الأندلس ببعيد فقد ضيّعها ملوك الطوائف الغارقون في الشهوات حين غفلوا عن عداوة النصارى لهم؛ فما شعروا إلاّ بسنابك الخيل تدكُّ عروشهم، كما قال ابن رشيق:



ممـا يقبّح عندي ذكر أندلـــــسٍ*** أسماء (مقتدرٍ) فيهـــا و(معتضدِ)

أسماء مملكة في غير موضعهـا*** كالهِرّ يُبدى انتفاخاً صولة الأسدِ


وهكذا حدث في بغداد فقد حكى الذهبي هذه الهجمة بقوله: "قصد الطاغية هُولاكو بغداد بجيوشه، ودخل التتار بغداد واقتسموها، وبقي السيف يعمل أربعة وثلاثين يوماً، وقَلَّ من سَلِم، فبلغت القتلى ألفَ ألفٍ وثمانمائة ألف وزيادة، وإنّا لله وإنّا إليه راجعون"[دول الإسلام للذهبي: 2/159-160]، وقال أيضاً: "حتى اشتد الوباء بالشام - ولا سيما بدمشق وحلب - لفساد الهواء"[العبر في أخبار من عبر للذهبي: 3/171].

فهذه الغفلة عن عداوة الكفّار للمسلمين قد نكبت الأمّة بأعظم مصابٍ حلَّ بها حتى فُجع أفذاذ المؤرخين منذ مطلع القرن السابع، وشقَّ على بعضهم أن يصوّر ما أَلَمّ بأمّة الإسلام، فقد كتب ابن الأثير صفحاتٍ مبكيةً حكى فيها نكبة المسلمين ونكستهم في تلك الأيام، حتى تمنّى أن لم يكن حاضراً تلك النائبة العظيمة*، فقال رحمه الله: " لقد بقيتُ - عدّة سنين - مُعْرِضاً عن ذكر هذه الحادثة استعظاماً لها، كارهاً لذكرها، فأنا أقدّم رِجلاً وأؤخر أخرى، فمن الذي يسهل عليه أن يكتب نعي الإسلام والمسلمين؟ ومن الذي يهون عليه ذكر ذلك؟ فيا ليت أمّي لم تلدني! ويا ليتني مِتُّ قبل حدوثها وكنت نسياً منسياً!"[الكامل في التاريخ: 12/358].


[2] خيانة الشيعة الروافض للأمة الإسلامية، وتحالفهم مع التتار والصليبيين لحرب المسلمين:

وقد كان ذلك دلالةٌ بيّنةٌ على كفرهم وخلوِّ قلوبهم من ولاء المسلمين ومعاداة الكافرين، بل كانوا برآء من المسلمين أولياء للكافرين، وكذلك المسلمون - بحمد الله - برآء منهم، وما الذي يُرجى ممّن يكفّر الصحابة الكرام، ويُظهر العداوة لأهل السنّة؟ فقد استَعْدَوا المغول على المسلمين، واستَدْعَوْهم إلى حاضرة الإسلام ومدينة السلام بغداد؛ فما خرجوا منها حتى جعلوها خراباً، فقد خان الروافض أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - بثمنٍ بخسٍ، وكانوا فيها من الزاهدين، قال الذهبي: "ثارت فتنةٌ مهولةٌ ببغداد بين أهل السنة والرافضة؛ أدّت إلى نهبٍ عظيمٍ وخراب، وقتل عِدة من الرافضة؛ فغضب لها وتنمّر ابن العلقمي الوزير، وجسّر التتار على العراق ليشتفي من السنة"، وبيّن أنّ هذا الوزير الرافضي: "قرّر مع هولاكو أموراً فانعكست عليه، وعضّ يده ندماً، فمات غبناً وغمّاً لا رحمه الله"[دول الإسلام: 2/159، والعبر: 3/277]، "فقد خدع السلطان وأوهمه بأنّ هولاكو سيصالحه "فأخرجه وأكابر الوقت؛ فضُربت رقاب الجميع"[المرجعان السابقان]، وذلك شأن الروافض دائماً فإنّ أصول اليهود حيّة فيهم، لا تنقضي عنهم صفات المكر والخديعة والكيد والخيانة للمسلمين، وعدم النظر في العواقب، فقد حكى ابن الأثير أنّ الإسماعيلية - وهم من غلاة الرافضة الباطنية - استدعوا المغول لقتال جلال الدين الخوارزمي، وكشفوا لهم عن نواحي ضعفه [الكامل في التاريخ: 9/283]، وجاء في [النجوم الزاهرة] لابن تغري بردي أنه لما قُتل جلال الدين الخوارزمي "دخل جماعة على الأشرف موسى" وكان حاكم أهل السنة فهنئوه بموته، فقال: تهنئوني به وتفرحون! سوف ترون غِبَّه! والله لتكوننّ هذه الكسرة سبباً لدخول التتار إلى بلاد الإسلام، ما كان الخوارزمي إلا مثل السُدِّ الذي بيننا وبين يأجوج ومأجوج" قال ابن تغري بردي: "فكان كما قال الأشرف"[النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة: 6/277].

ورحم الله العلامة محمد كرد علي فقد قال في [خطط الشام]: "الغريب أن شيعة جبل عاملة كانوا من حزب الصليبيين على المسلمين إلاّ قليلاً، كما كان هوى الموارنة مع الصليبيين ويعملون عندهم أدلاّء وتراجمة"[خطط الشام: 2/14، نقلاً عن أيعيد التاريخ نفسه؟ لمحمد العبدة: 40]، قال الذهبي: "وضاع أمر الإسلام بدولة بني بويه وبني عبيد الرافضة، وتركوا الجهاد، وهاجت نصارى الروم وأخذوا المدائن"[سير أعلام النبلاء 16/232، نقلاً عن أيعيد التاريخ نفسه؟: 67]، وقد فضح هؤلاء الباطنية على أيدي علماء الإسلام من أمثال ثابت بن سنان في [تاريخ أخبار القرامطة]، وعلي بن نصر في: [الرد على الباطنية]، وقد خصّهم أبو شامة بكتاب سمّاه: [كشف ما كان عليه بنو عبيد من الكفر والكذب والمكر والكيد]، وقال الحافظ ابن كثير: "جلس أميرهم أبو طاهر - لعنه الله - على باب الكعبة وهو يقول: "أنا الله، أنا أخلق الخلق وأفنيهم"، قال ابن كثير: "ولم يعجّل الله - سبحانه وتعالى - بعقوبةٍ على هؤلاء الملحدين كما عجّلها على أصحاب الفيل وهم نصارى، وهؤلاء شرٌّ من اليهود والنصارى والمجوس"[البداية والنهاية: 11/160].

ومن اطلع على تاريخ الحروب الصليبية - لا سيما [كتاب الروضتين في أخبار الدولتين النورية والصلاحية] - عرف دور الروافض والباطنية في حرب الإسلام؛ ولذلك عقد الحافظ أبو شامة فصولاً عدةً في بيان كيدهم ومكرهم وعداوتهم للمسلمين، فهم الذين حاولوا قتل صلاح الدين مرتين [مختصر كتاب الروضتين: 188-191]، وكشف - رحمه الله - كذبهم وزورهم فقال: "كثرت الرافضة واستحكم أمرهم، وأفسدت عقائد طوائف من أهل الجبال الساكنين بثغور الشام كالنصيرية والدرزية والحشيشية - نوع منهم - وتمكن دعاتهم منهم لضعف عقولهم وجهلهم ما لم يتمكنوا من غيرهم، وأخذت الفرنج أكثر البلاد بالشام والجزيرة إلى أن منّ الله على المسلمين بظهور البيت الأتابكي، وتقديمه مثل صلاح الدين، فاستردوا البلاد وأزالوا هذه الدولة عن رقاب العباد، يدّعون الشرف ونسبتُهم إلى مجوسي أو يهودي حتى اشتهر لهم ذلك بين العوام فصاروا يقولون الدولة الفاطمية، والدولة العلوية، وإنما هي الدولة المجوسية، أو اليهودية الباطنية الملحدة"[مختصر كتاب الروضتين: 157].

ولك أن تقارن موقف المخلصين من أهل السنة بمواقف الرافضة الباطنية فقد حكى أبو شامة عن زنكي - والد نور الدين - أنه استعان بالسلطان محمد السلجوقي لمّا هاجم النصارى مدينة حلب فقيل له في ذلك فقال: "إن هذا العدو قد طمع فيّ، وإن أخذ حلب لم يبق بالشام إسلام، وعلى كل حالٍ فالمسلمون أولى بها من الكفار"[كتاب الروضتين: 1/35، نقلاً عن أيعيد التاريخ نفسه: 104. فأين هذا الموقف المشرف من المواقف المخزية التي صدرت عن الدول المنتسبة إلى الإسلام في هذه الحملة الصليبية الجديدة على العالم الإسلامي بدءاً بأفغانستان، حفاظاً على عروشهم وخيانةً لأمة الإسلام]، وأمّا شاور الذي كان حاكماً على مصر في دولة الرافضة فقد استنجد بالنصارى حتى لا يجعل لنور الدين على مصر سبيلاً! [وما أشبه الليلة بالبارحة! فها هي دولة الرافضة تعلن عداوتها ومنابذتها لإمارة أفغانستان الإسلامية، وتدعم بالمال والسلاح والرجال الأحزاب الشيعية المتحالفة مع الجيوش الصليبية، وتفتح أجواءها لهم بعد أن ظلت زمناً طويلاً تخدع عوام المسلمين بشعارات: الموت لأمريكا، الشيطان الأكبر ((ليميز الله الخبيث من الطيب ويجعل الخبيث بعضه على بعضٍ فيركمه جميعاً فيجعله في جهنم أولئك هم الخاسرون))].

وخلاصة القول في أمر النكبات ـ التي تصيب الأمة عند غفلتها عن الولاء والبراء - أنّ ذلك مرتبط بما يسبقه من الإعداد لجهاد الأعداء، وهو راجع بدوره إلى قلة الفقه بالولاء والبراء ((إنّ الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم))، ورحم الله أبا الوفاء بن عقيل حيث قال: "إذا أردتَ أن تعلم محل الإسلام من أهل الزمان، فلا تنظر إلى زحامهم في أبواب الجوامع، ولا ضجيجهم في الموقف بلبيك! وإنما انظر إلى مواطأتهم أعداء الشريعة" [الآداب الشرعية لابن مفلح: 1/255].


سادساً: بين الأمس واليوم:

ها هم كفار اليوم يجلبون على هذه الأمة التي كتب الله لها الغلبة والسعادة والفوز في الدّارين؛ يريدون أن يردّوها عن دينها، ويحاربوا طليعتها المجاهدة؛ لأنها قائمة على الحق ممسكة بـ (ذروة سنام الإسلام)، يحبون أن يحولوا بين رايتهم الظافرة وبين الأمة التي أقضَّت مضجعها المعارك الخاسرة، وطال عهدها بأيام العزة والحماسة حين كانت تترنّـم بأناشيد الجهاد، وكان شعارها:

 


أقسـمت يا نفسي لتنزلنه*** لتنــــــــــــزلنه أو لتـكـرهـنه

ما لي أراك تكرهين الجنة*** إن أجلب الناس وشدّوا الرنّة



فعدوّ اليوم هو عدوّ الأمس، ونفاق اليوم هو نفاق الأمس يتمثّل في تلك القلوب المريضة ((فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم))[سورة المائدة: 52]، وتلك العزائم الخائرة ((فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم كالذي يُغشى عليه من الموت فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حِدادٍ أشحةً على الخير أولئك لم يؤمنوا فأحبط الله أعمالهم))[سورة الأحزاب: 19]، وتلك النفوس الحائرة المترددة ((مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء))[سورة النساء: 143]، ((الذين يتربصون بكم فإن كان لكم فتح من الله قالوا ألم نكن معكم وإن كان للكافرين نصيب قالوا ألم نسْـتحوذْ عليكم ونمنعكم من المؤمنين))[سورة النساء: 141].

والروافض هم الروافض في التآمر والتخاذل والتحالف مع الكافرين! والمجاهدون هم المجاهدون (لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم)، فالحزم هو الحزم ((الذين قال لهم الناس إنّ الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل))[سورة آل عمران: 173]، والعزم هو العزم ((ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيماناً وتسليماً))[سورة الأحزاب: 22].

نسأل الله - تعالى - أن يقوّي فينا عقيدة الولاء والبراء؛ فننحاز إلى صفوف المجاهدين الصالحين استجابة لأمر الله - تعالى -: ((يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين))[سورة التوبة: 119]، ونبرأ من الكافرين، ونحيي في نفوسنا معاني العزة بالله والجهاد في سبيله كما قال مَن قبلنا:



إذا الفتى لم يركب الأهوالا

فأعطـه المـِرآة والمِكْحالا!

واسْـعَ له! وعُـدَّه عِيالا!



فإنه لا إيمان ولا عزة ولا جهاد إلا بالولاء والبراء؛ فحينما تحقق الأمة ذلك تنشد بين الورى:



السـيف أصـــــــــدق أنبـاء من الكتبِ*** في حَـــدِّه الحَـدُّ بين الجِدِّ واللعبِ

فبين أيـــــــــامك اللائي نُصـرت بهــــا*** وبين أيــــــــام بـدرٍ أقـربُ النّسـبِ

أبقت بني الأصفر الِممْراضِ كاسِمِهِمِ*** صُفــــرَ الوجوه وجلَّت أوجه العربِ

 

RSS v2.0 FEED أضف الصفحة إلى MySpace! أضف الصفحة إلى iGoogle أضف الصفحة إلى My Yahoo أضف الصفحة إلى Microsoft live أضف الصفحة إلى facebook برنامج قارىء RSS Subscribe Bookmark and Share



أرسال لصديق




تعليقات القراء على المقالات : أضف تعليقك الآن

ملاحظة هامة : هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها.

الأسئلة والتعليقات المقتضبة أو تلك التى لا تتعلق بموضوع المحاضرة ستحذف تلقائيا.

لا توجد تعليقات

إلى الأعلى
التلاوت القرآنية

الدروس والمحاضرات

موسوعة الفتاوى

أحصائيات
    عدد المقالات (26754)
    عدد الكتب (4769)
    عدد الصوتيات (114456)
    عدد الفتاوى (208750)
    عدد الكتب الإلكترونية (1)
القائمة البريدية
القائمة البريدية

المعلومات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي قائلها أو كاتبها كما يحق لك الاستفادة من محتويات الموقع في الاستخدام الشخصي غير التجاري مع ذكر المصدر

هذا الموقع بدعم من أسرة  أسرة آل محمود الأشراف الحسنيين 

   أكبر موقع إسلامي يحتوي على تلاوات القرآن الكريم الخطب و المحاضرات الصوتية ، كما يحتوي على موسوعة الفتاوى متكاملة التي تجيب على كافة أسئلتكم و استفساراتكم ويضم مكتبة للكتب التراثية Midad.Me ©  2010 
     
وقت تحميل الصفحة: 6.41 ثانية  |   خريطة الموقع  |   Rss  |  كيف تستخدم هذا الموقع