وطهر بيتي للطائفين
بسم الله الرحمن الرحيم
 الصفحة الرئيسية | المقالات و البحوث | المكتبة ( للتحميل ) | الصوتيات | التلاوات القرآنية | أرسل بحثك | توقيع الزوار | كلمة الموقع 
اخر المقالات المهر المعنوي المعتدل .. هو الحل         الرسول في الكتب السابقة         تمشيخ الحدث         أخي فرط من أيدينا !         صراع الإسلام والنصرانية         دعوات شيطانية         جمال الدين القاسمي [ 1 ]         الربح في التجارة بالمال المسروق         لماذا ؟ .. أنا أجيبك         كيف تصنعين عالما ؟         معالم رئيسة في واقع العمل الإسلامي         - تفسير آيات الاستئذان         الدرس الثالث والثلاثون         باب يجعل آخر صلاته بالليل وترا من حديث رقم (965)         تفسير الآية رقم 119         - براهين توحيد الربوبية         - عقيدتنا في الصحابة (2)         شرح كتاب الحج من بلوغ المرام         - التزمت ولكن!!         ما كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يحب من الطعام         الشريط الثاني         من أسرار سورة الكهف         ماذا تعرف عن قصيدة البردة    
المؤسس و المشرف :
      سعد بن زيد آل محمود
قائمة أخر المقالات إضافة
  هجمة مرتدة
  أسد علي .. وفي الأسواق دجاجة !
  بقايا في الثلاجة
  دعاء الهم والحزن
  جحر العقرب ؟!
قائمة أخر الكتب إضافة
  وأبيض يستسقى الغمام بوجهه
  بدعة رجب للمنجد
  ماذا يتصفح العرب
  بدعة رجب للمنجد
  الشيخ إبراهيم بن سعيد الشاغوري
قائمة أخر الصوتيات إضافة
  النجاة من الفتن
  وصايا للمسلمين عند النوازل والمحن
  وصايا للمسلمين عند النوازل والمحن
  الرحمة
  وماذا بعد الحج
تحويل التاريخ
راسلنا
توقيع الزوار
القرآن الكريم
التلاوات القرآنية
وطهر بيتي للطائفين

حكمت الحريري
أضيفت بتاريخ:   2007-11-13
التصدير إلى ورد نسخة طباعة القراء:   1769
تنسيق الخط

ضع هذه المادة على جوالك باستخدام برنامج قارئ الباركود
qrcode
ما هي هذه الخدمة؟؟
 بسم الله الرحمن الرحيم

عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (تابعوا بين الحج والعمرة فإنهما يَنْفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكِيرُ خبث الحديد والذهب والفضة وليس للحجة المبرورة ثواب إلا الجنة).

[رواه الترمذي، وقال: حسن صحيح غريب]

 

معاني الألفاظ:

-  تابعوا بين الحج والعمرة: أي قاربوا بينهما، إذا اعتمرتم فحجوا وإذا حججتم فاعتمروا.

 

-  ينفيان الفقر والذنوب: يزيلان الفقر بحصول غنى اليد لأن الحج من أسباب فتح أبواب الرزق على العبد، ويمحوان الذنوب لأن من حج ولم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه.

 

-  كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة: كما يزيل الكير الذي ينفخ فيه الحداد لتصفية المعادن المذكورة من الأوساخ العالقة بـها.

 

-  الحجة المبرورة: التي لا يخالطها شيء من الإثم، وهو الحج الذي وفيت أحكامه فوقع موافقاً لما طلب من المكلف على الوجه الأكمل، وهذا هو الحج المقبول.

 

أحكام فقهية ودروس مستفادة من الحديث:

1 - يجب على المسلم المكلف أداء فريضة الحج إذا توفرت له الاستطاعة.

 

2 - إذا امتلك المسلم الزاد والراحلة، فقد صار مستطيعاً، وعليه المبادرة من غير تسويف.

 

3 - الحج أحد أركان الإسلام الخمسة التي لا يصير المرء مسلماً إلا بـها.

 

4 - تأدية فريضة الحج من العبادات التي تفتح على العبد أبواب الرزق، وذلك لأسباب منها كثرة الدعاء الحاصل من الحاج، والله - سبحانه - يستجيب الدعاء، والدعاء في حال السفر أوكد وأجدر بالإجابة.

 

5 - والحج من أسباب نفي الفقر، لأن الحج المبرور سبب تخلص العبد من الذنوب التي تسبب حرمان الرزق كما جاء في الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه".

 

6 - فريضة الحج من العبادات التي تميز المسلم ودينه عن غير المسلم والأديان الأخرى، ففي الاستعداد لأداء هذه الفريضة يجمع المسلم بين أمر الدنيا وأمر الآخرة فحينما يلبس ثياب الإحرام ويبدأ بالتلبية يشعر بخروجه من هذه الدنيا وتجرده عنها ويذكره بالموت والبعث والنشور والحساب يوم يقوم الناس لرب العالمين، وحينما يتزود للسفر ويحمل معه ما يتجر به ويدرّ عليه الربح والأموال يجعله شخصية تدبر أمر نفسها وتـهتم بشؤونـها، كل هذه المعاني تندرج تحت قوله - تعالى -: ]وتزودوا فإن خير الزاد التقوى[، وقوله: ]ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم[، وقوله: ]ربنا آتنا في الدنيا حسنةً وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار [.

 

7 - يجب على المسلمين العمل للتخلص من القوانين الجاهلية التي تحظر على المسلم الحج إلا بعد بلوغه سناً معينة!! فمن يدري أنه يبقى على قيد الحياة حتى يبلغ السن الذي حددوه؟!.

 

ولله على الناس حج البيت:

الحج أحد أركان الإسلام التي فرضها الله على كل مسلم بالغ عاقل مستطيع، قال - تعالى -: [ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا، ومن كفر فإن الله غني عن العالمين][آل عمران: 97].

 

وظاهر قوله - تعالى -: [ومن كفر فإن الله غني عن العالمين]بعد قوله: [ولله على الناس حج البيت[يدل على أن من لم يحج كافر والله غني عنه، وفي بيان معنى[ومن كفر]

أوجه ذكرها العلماء[1]:

الأول: المراد بقوله: [ومن كفر]أي ومن جحد فريضة الحج فقد كفر والله غني عنه. ويدل لهذا الوجه ما روي عن عكرمة ومجاهد أنـهما قالا: لما نزلت ]ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه[قالت اليهود: فنحن مسلمون. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إن الله فرض على المسلمين حج البيت من استطاع إليه سبيلاً" فقالوا: لم يكتب علينا، وأبوا أن يحجوا، قال - تعالى -: [ومن كفر فإن الله غني عن العالمين].

 

الثاني: المراد بقوله: [ومن كفر]أي ومن لم يحج على سبيل التغليظ البالغ في الزجر عن ترك الحج مع الاستطاعة كقوله للمقداد الثابت في الصحيحين حين سأله عن قتل من أسلم من الكفار بعد أن قطع يده في الحرب: "لا تقتله فإن قتلته فإنه بمنـزلتك قبل أن تقتله، وإنك بمنـزلته قبل أن يقول الكلمة التي قال".

 

الثالث: حمل الآية على ظاهرها وأن من لم يحج مع الاستطاعة فقد كفر. وقد صح عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه قال: من أطاق الحج فلم يحج فسواء مات يهودياً أو نصرانياً. أهـ.

 

-  وفي الحديث عن أبي هريرة قال: خطبنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: "أيها الناس قد فرض الله عليكم الحج فقال رجل: أكل عام يا رسول الله؟ فسكت حتى قالها ثلاثاً. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم. ثم قال: ذروني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم. فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نـهيتكم عن شيء فدعوه"[2].

 

-  وعن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة والحج وصوم رمضان"[3].

 

-  عن ابن عباس أن الأقرع بن حابس سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الحج كل عام؟ فقال: لا بل حجة فمن حج بعد ذلك فهو تطوع ولو قلت نعم لوجبت ولو وجبت لم تسمعوا ولم تطيعوا"[4].

 

-  وعن عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما - قال: كان الفضل رديف رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فجاءت امرأة من خثعم، فجعل الفضل ينظر إليها وتنظر إليه، وجعل النبي - صلى الله عليه وسلم - يصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر. فقالت: يا رسول الله إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخاً كبيراً لا يثبت على الراحلة. أفأحج عنه؟ قال: نعم وذلك في حجة الوداع"[5].

 

فضل الحج والعمرة:

-  عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه"[6].

 

-  وعنه رضي الله عنه قال: سئل النبي - صلى الله عليه وسلم - أي الأعمال أفضل؟ قال: إيمان بالله ورسوله، قيل: ثم ماذا؟ قال: جهاد في سبيل الله. قيل: ثم ماذا؟ قال: حج مبرور"[7].

 

-  وعنه أيضاً أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة"[8].

 

من مآثر السلف:

إن امتثال سلف هذه الأمة لأوامر الله - سبحانه وتعالى- وتوكلهم عليه - سبحانه - والتزامهم بمحكم التنـزيل واتباعهم لسنة النبي الكريم - صلى الله عليه وسلم - قد بوأهم مكاناً علياً، وجعل الدنيا تأتيهم وهي راغمة وهم زاهدون فيها، كل هذا بتوفيق الله لأوليائه ورضاه عنهم.

 

والذي يتأمل في سيرة السلف - رحمهم الله - يجد أنـهم كانوا يكثرون من أداء فريضة الحج ومنهم من يكثر الغزو والحج يفعل هذا سنة وذاك سنة أخرى. ومن هؤلاء - رحمهم الله -:

 

-  الأسود بن يزيد النخعي، كان مخضرماً أدرك الجاهلية والإسلام، توفي سنة خمس وسبعين، وقد حج ثمانين من بين حجة وعمرة[9].

 

-  عمرو بن ميمون الأودي المذحجي أدرك الجاهلية وأسلم في الأيام النبوية، وقدم الشام مع معاذ بن جبل، ومات سنة خمس وسبعين بالكوفة، وقد حج ستين مرة من بين حجة وعمرة[10].

 

-  أبو عثمان النهدي، الإمام الحجة مخضرم أدرك الجاهلية والإسلام، مات سنة مئة، قال عنه أبو حبيب المروذي: حج ستين مرة ما بين حجة وعمرة[11].

 

-  سعيد بن المسيب عالم أهل المدينة وسيد التابعين، عن عبد الرحمن بن حرملة: سمعت ابن المسيب يقول: حججت أربعين حجة[12].

 

-  سعيد بن جبير الإمام الحافظ المقرئ، قتل شهيداً على يد الحجاج سنة خمس وتسعين، قال عنه هلال بن خباب: وكان يحرم في كل سنة مرتين، مرة للحج ومرة للعمرة[13].

 

-  مسلم بن يسار القدوة الفقيه الزاهد، مات سنة مئة.

 

-  طاووس بن كيسان الفقيه القدوة عالم اليمن. قال عنه ابن حبان: كان من عبّاد أهل اليمن ومن سادات التابعين، مستجاب الدعوة، حج أربعين حجة[14].

 

-  أيوب السختياني الإمام الحافظ سيد العلماء، عداده في صغار التابعين عن هشام بن حسان: أن أيوب السختياني حجّ أربعين حجة[15].

 

-  سفيان بن عيينة الإمام الكبير، حافظ العصر، شيخ الإسلام، ولد بالكوفة سنة سبع ومئة، عاش إحدى وتسعين سنة. روى سليمان بن أيوب سمعت سفيان بن عيينة يقول: شهدت ثمانين موقفاً[16].

 

-  عيسى بن يونس الإمام القدوة الحافظ الحجة، قال أحمد بن خباب: غزا عيسى بن يونس خمساً وأربعين غزوة وحج كذلك[17].

 

-  عبد الله بن وهب الإمام شيخ الإسلام، ولد سنة خمس وعشرين ومئة ومات سنة سبع وتسعين ومئة. عن سحنون الفقيه قال: كان ابن وهب قد قسم دهره أثلاثاً، ثلثاً في الرباط، وثلثاً يعلم الناس بمصر، وثلثاً في الحج، وذكر أنه حج ستاً وثلاثين حجة[18].

 

ثلة من الأولين الذين انقادوا لأمر الله وجدوا فيه واستفرغوا فيه الوسع والطاقة وركبوا من أجل ذلك الصعب والذلول، فلم تكن تتوفر لهم وسائل النقل المعروفة في زماننا هذا، كانت رحلة الحج تستغرق منهم أياماً وليالي وربما تستغرق شهوراً، فما بال أقوام في هذا الزمان يتباطأون عن أداء فريضة الحج رغم قدرتـهم واستطاعتهم؟!.

 

وما بال أقوام أضل الله سعيهم وعجل نعيهم وهتك أستارهم ووضع أقدارهم يضيقون على المسلمين ويكلفونـهم دفع المبالغ الباهظة عند أدائهم لهذه الفريضة؟!.

 

بل يضعون القوانين الجائرة في كثير من البلاد تمنع الناس من الذهاب إلى بيت الله الحرام بقصد الحج إذا كان عمره دون الخمسين!! من الذي يضمن بقاءه حتى يبلغ السن التي وضعها هؤلاء الظلمة؟! أليست هذه الأعمال والتصرفات من قبيل صدّ الناس عن دين الله وعن بيت الله الحرام الذي جعله الله للناس سواء العاكف فيه والباد؟!.

 

أقسام الحج:

قال الله - تعالى -: [الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج وما تفعلوا من خير يعلمه الله وتزودوا فإن خير الزاد التقوى واتقون يا أولي الألباب. ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام واذكروه كما هداكم وإن كنتم من قبله لمن الضالين. ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله إن الله غفور رحيم فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكراً. فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق. ومنهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار أولئك لهم نصيب مما كسبوا والله سريع الحساب. واذكروا الله في أيام معدودات فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه لمن اتقى واتقوا الله واعلموا أنكم إليه تحشرون. ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام. وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد. وإذا قيل له اتقِ الله أخذته العزة بالإثم فحسبه جهنم ولبئس المهاد. ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله والله رؤوف بالعباد ][البقرة: 197 - 207].

 

بين الله - سبحانه وتعالى- في الآيات الكريمة الآنفة بعض الأمور المتعلقة بالحج ومناسكه؛ عدم الرفث والفسوق والجدال، التزود للحج، جواز الاتجار، مكان الإفاضة.. الخ.

 

ثم بين أن الذين يقصدون الحج أربعة أقسام:

 

1 –[فمن الناس من يقول: ربنا آتنا في الدنيا وماله في الآخرة من خلاق ]، أي يسأل الله من مطالب الدنيا ما هو من شهوات وليس له في الآخرة من نصيب لرغبته عنها وقصر همته على الدنيا.

 

2 –[ومنهم من يقول: ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار].. الخ. وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يكثر من هذا الدعاء لأنه أجمع دعاء وأكمله.

 

3 –[ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ].. الخ.

 

4 –[ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله ].. الخ. ثم قال - تعالى -: [يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين]. أي لا تكونوا من الذين يطلبون الدنيا ويذرون الآخرة ولا ممن يقول كلاماً يعجب الناس، وفعله وسعيه بخلاف ذلك، فإنه كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون.

 

فمع كون الحجاج يسافرون إلى جهة واحدة، ويقصدون مكاناً معيناً هو بيت الله الحرام، لكن المقاصد والنوايا والأعمال تختلف من شخص لآخر. فالأقوال التي تصدر من الأشخاص ليست دليلاً على صدق ولا كذب ولا برّ ولا فجور حتى يوجد العمل المصدق لها المزكي لها وأنه ينبغي اختبار أحوال الشهود والمحق والمبطل من الناس ببرّ أعمالهم والنظر لقرائن أحوالهم وأن لا يغتر بتمويههم وتزكيتهم أنفسهم[19].

 

هذه الآية الكريمة موعظة لكل مؤمن بالله، ولكل من يسلك سبيل الدعوة إلى الله ]ومن الناس من يعجبك قوله [.. فلا يغتر بقول شخص ولا بصدق كلامه ويقتدي به أو يثق به حتى يعرف سلوكه وعمله وخلقه.. ومدى تطابق قوله مع فعله.

 

وكم كانت نكبة الأمة والحركات الإسلامية قديماً وحديثاً من جراء ثقتها بأشخاص ينتحلون ما ليس فيهم ويظهرون ما لا يعتقدون وينسبون أنفسهم إلى ما هم بعيدون عنه ويصفونـها بما ليس فيها، فيجرون الأمة إلى المهالك ويحلّون بـها الويلات، فويل لهؤلاء من مشهد يوم عظيم. فإن كان واقعنا حافلاً بـهذه المآسي، فهل من مدكر؟.

 

وإذا جاءك الدليل من كتاب الله والواعظ محمد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فليس لك العذر بعد ذلك أن تعجب بقول شخص وتغفل النظر عن فعله، فهذا اعتقاد أهل الإرجاء[20] الذين فرقوا بين القول والعمل فكانوا سبباً في ترك العمل بشريعة الله وسنة خاتم الأنبياء، فإن فعلت فإنه ينطبق عليك قول أحد الحكماء:

 

"قليل العقل يرضيه الكلام  كبير البطن يرضيه الطعام"

 

وقول الشاعر:

أثر البهتان فيه وانطلى الزور عليه *** يا له من ببغاء عقــله في أذنيه

 

وطهر بيتي للطائفين:

الكعبة بيت الله الحرام أول مسجد وضع على الأرض لعبادة الله وحده، قال - تعالى -: [إن أول بيت ووضع للناس للذي ببكة مباركاً وهدى للعالمين ][آل عمران: 96]. ولما بعث الله - تعالى - إبراهيم - عليه السلام - أمره أن يطهر هذا البيت الحرام من كل دنس وشرك فقال - سبحانه -: [وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود ][البقرة: 125]. وقال - تعالى -: [وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت أن لا تشرك بي شيئاً وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود ][الحج: 26].

 

ولما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - مأموراً من ربه باتباع ملة إبراهيم لقوله - تعالى -: [ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفاً][النحل: 123] فقد امتثل لأمر الله بتطهير البيت الحرام من الشرك وعبادة غير الله فهدم الأصنام ومنع المشركين من حج بيت الله الحرام، فصدق فيه قول الله - عز وجل -: [إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين][آل عمران: 68].

 

وكانت سورة التوبة من آخر ما نزل من القرآن على النبي - صلى الله عليه وسلم -، وكانت خلاصة موضوعات هذه السورة تدور حول البراءة من الشرك وأهله، وفيها خطاب صريح للنبي - عليه الصلاة والسلام - وللأمة من بعده بمنع المشركين من دخول المسجد الحرام، قال - تعالى -: [يا أيها الذين آمنوا إنما المشركين نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء الله إن الله عليم حكيم ][التوبة: 28].

 

وعن أبي هريرة قال: بعثني أبو بكر الصديق في الحجة التي أمّره عليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبل حجة الوداع في رهط يؤذنون في الناس يوم النحر: "لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان"[21].

 

قال الشيخ الشنقيطي[22] - رحمه الله - تعالى - في تفسير الآية (26) من سورة الحج: يؤخذ من هذه الآية الكريمة أنه لا يجوز أن يترك عند بيت الله الحرام قذر من الأقذار ولا نجس من الأنجاس المعنوية ولا الحسية فلا يترك فيه أحد يرتكب ما لا يرضى الله ولا أحد يلوثه بقذر من النجاسات، ولا شك أن دخول المصورين في المسجد الحرام حول بيت الله الحرام بآلات التصوير يصورون بـها الطائفين والقائمين والركع السجود أن ذلك مناف لما أمر الله به من تطهير بيته الحرام للطائفين والقائمين والركع السجود، فانتهاك حرمة بيت الله بارتكاب حرمة التصوير عنده لا يجوز. لأن تصوير الإنسان دلت الأحاديث الصحيحة على أنه حرام وظاهرها العموم في كل أنواع التصوير، ولاشك أن ارتكاب أي شيء حرمه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه من الأقذار والأنجاس المعنوية التي يلزم تطهير بيت الله منها، وكذلك ما يقع في المسجد من الكلام المخل بالدين والتوحيد لا يجوز إقرار شيء منه ولا تركه". اهـ.

 

رحم الله الشيخ الشنقيطي وأمثاله من العلماء الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، لقد أنكر أموراً منافية لحرمة بيت الله في العهد الذي كان فيه، ويعلم أنه لا يسعه السكوت عليها، وقد مضى على ذلك عقود من الزمن، وحدث من المنكرات في هذه السنين ما هو أدهى من ذلك وأمر.

 

فهل من كلمة حق للعلماء الأفاضل في البيان والنصح والإنكار؟ وهل للعلماء الأفاضل من كلمة حق ينكرون فيها المنكرات التي تزداد يوماً بعد آخر مثل التضييق الذي يحرم الكثيرين من قصد بيت الله الحرام وكذلك التضييق الناجم عن كثرة المباني غير الضرورية والتي ترتكب فيها المخالفات الشرعية مثل البنوك الربوية وقد ورد عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "منى مناخ من سبق" نرجو الله أن يوفق العلماء لكي تكون لهم كلمة حق يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، فإن سمع كلامهم وعمل به فأجرهم على الله وإن حصل غير ذلك فقد قاموا بواجبهم وأعذروا إلى ربهم، وأمرهم إلى الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يقصر أجلاً ولا ينقص رزقاً [وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله][ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب][ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدراً ]

وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم .

 

----------------------------------------

[1] - باختصار من أضواء البيان للشنقيطي 1/221 - 222.

[2] - صحيح مسلم، كتاب الحج، رقم الحديث: 1337.

[3] - صحيح البخاري، كتاب الإيمان، رقم: 8.

[4] - مسند أحمد، تحقيق أحمد شاكر، رقم الحديث: 3510.

[5] - صحيح البخاري، كتاب الحج، باب وجوب الحج وفضله، رقم: 1513.

[6] - المصدر السابق، رقم الحديث: 1521.

[7] - المصدر السابق، رقم الحديث: 1519.

[8] - صحيح مسلم، كتاب الحج، رقم الحديث: 1349.

[9] - انظر سير أعلام النبلاء للذهبي 4/50.

[10] - انظر سير أعلام النبلاء 4/158.

[11] - المصدر السابق 4/175.

[12] - المصدر السابق 4/217.

[13] - المصدر السابق 4/321.

[14] - المصدر السابق 5/38.

[15] - سير أعلام النبلاء 6/15.

[16] - المصدر السابق 8/454.

[17] - المصدر السابق 8/489.

[18] - المصدر السابق 9/223.

[19] - انظر تيسير الكريم الرحمن للسعدي.

[20] - للشيخ الدكتور سفر الحوالي كتاب قيم بين فيه نشأة هذه الظاهرة وخطرها على الإسلام والمسلمين، وكيف كانت سبباً في إقصاء الشريعة الإسلامية.

[21] - صحيح مسلم، كتاب الحج، رقم الحديث: 1347.

[22] - أضواء البيان: 5/41-42.


RSS v2.0 FEED أضف الصفحة إلى MySpace! أضف الصفحة إلى iGoogle أضف الصفحة إلى My Yahoo أضف الصفحة إلى Microsoft live أضف الصفحة إلى facebook برنامج قارىء RSS Subscribe Bookmark and Share


تعليقات القراء على المقالات : أضف تعليقك الآن

ملاحظة هامة : هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها.

الأسئلة والتعليقات المقتضبة أو تلك التى لا تتعلق بموضوع المحاضرة ستحذف تلقائيا.

لا توجد تعليقات

إلى الأعلى


أرسال لصديق

التلاوت القرآنية

الدروس والمحاضرات

أحصائيات
    عدد المقالات (26769)
    عدد الكتب (4770)
    عدد الصوتيات (114455)
القائمة البريدية
القائمة البريدية
المعلومات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي قائلها أو كاتبها كما يحق لك الاستفادة من محتويات الموقع في الاستخدام الشخصي غير التجاري مع ذكر المصدر 
Midad.com ©  2012
وقت تحميل الصفحة: 0.058 ثانية  |   خريطة الموقع  |   Rss  |  كيف تستخدم هذا الموقع